الشريعة الإسلامية جاءت بأحكام شمولية وثابتة، مرسخة مفاهيم العدل والتسامح والإخاء والمساواة، حقوق الإنسان وحدة متماسكة وغير قابلة للتجزئة يتمتع بها جميع الناس دون تمييز..

العدالة، ومنذ المجتمعات البدائية لم تزل تشكل هاجساً مهيمناً على الوعي الاجتماعي حيث قناعة الضمير وراحة الذات. الفلسفة الغربية لها ومضات فكرية في هذا المجال وغرضنا هنا توسيع حيز الإدراك. فعل الإنسان عادة ما يصدر من العقل الذي كان قد شرّحه الفيلسوف كانط في مذهبه المثالي، والذي ربط فيه معنى القانون الخلقي بمفهوم الإرادة الصالحة التي يفرضها الواجب، والتي بها يتحقق الخير الاجتماعي.

المفكر الإنجليزي (كليفورد) قال إن لكل إنسان ذاتين فردية واجتماعية (شمولية النفس)، وإن لحظة نشوء الصراع ما بين هاتين الذاتين، تكون ولادة (الضمير)، فيتحقق الخير الاجتماعي (الإخلاقي)، وهو ما يكرس قدرة الجماعة وبقاء الإنسان.

إذن هي الإخلاق التي يكمن فيها السر والتي رأى فيها جان جاك روسو (صاحب العقد الاجتماعي) عمليتي التلاقح والإفراز، أي تلاقح العقل (السياسة) والضمير (الأخلاق) لتأتي مرحلة الإفراز، أي إنتاج القانون (العقد). ما يعني أن السلوك الإخلاقي هو الذي يحفظ نمو الحياة وفق تعبيرات المفكر هيربرت سبنسر. كل هذا كلام جميل ولكن كيف يتعاطى معه الغرب؟

في لقائه مع برلمان الاتحاد الأوروبي الأسبوع الماضي تعرض وزير الخارجية عادل الجبير إلى سيل من الأسئلة المتعلقة بحقوق الإنسان في بلاده، وقد وفق في الإجابة عليها مركزاً على مبدأ احترام سيادة الأحكام القضائية ومع ذلك هناك من حاججه منطلقاً من مبدأ عالمية حقوق الإنسان.

الحقيقة هذا الرأي يثير تساؤلات مشروعة، فالبعض يرى أن حقوق الإنسان في الفكر الأوروبي الحديث كانت قد صدرت عن العلمانية (العقل)، في حين أنها صدرت في الإسلام عن الدين (النص). وفي هذا بعض الصحة، إنما الأكثر صحة هو أن الشريعة الإسلامية جاءت بأحكام شمولية وثابتة، مرسخة مفاهيم العدل والتسامح والإخاء والمساواة. حقوق الإنسان وحدة متماسكة وغير قابلة للتجزئة يتمتع بها جميع الناس دون تمييز، مرتكزين في ذلك على النص القرآني الكريم (ولقد كرمنا بني آدم). ومع ذلك نقول إن غايتهما واحدة، وإن اختلفت المرجعية والظروف التاريخية.

من يمعن في التحولات الثقافية والاجتماعية والصراعات والحروب وما نتج عنها من اهتمام بحقوق الإنسان، يصل إلى قناعة واضحة تتمثل في وجود قواسم مشتركة بين ما جاءت به الأديان والشرائع وما توصلت إليه الثقافات والحضارات من مفاهيم ومبادئ. الغرب يطرح أفكاراً تنويرية، وهذا محل تقدير من حيث المبدأ، إلا أن المشكلة تحدث حينما لا يقدر على التمييز في نوعية الطروحات مع المسلمين، أو مع الدول التي تطبق الشريعة تحديداً، فعندما يتعلق النقد بقضايا تمس العقيدة، فإن نتيجة الحوار ما تكون سلبية. نحن نتفهم حماس تلك المنظمات التي تنطلق في دعوتها من زاوية حقوقية وإنسانية بحتة ولكن إشكاليتها أنها لا تأخذ في الاعتبار الأبعاد الدينية والثقافية والفكرية للمجتمعات.

شكل مفهوم حقوق الإنسان في وقتنا الراهن مصدراً جديداً للشرعية لأي نظام سياسي، بل وتحدياً للأفكار التقليدية للمدرسة الواقعية حول العلاقات الدولية، ما نتج عنه تحول في مفهوم الدولة وواجباتها. وهو الذي جعل من الرقابة الدولية أمراً مطلوباً، لتصبح حماية حقوق الإنسان قانوناً وواقعاً بعدما كانت شعاراً مثالياً.

ومع ذلك هناك مفارقة بين مفاهيم حقوق الإنسان العالمية وبين أساليب بعض دول الغرب التي تتمظهر بشكل سافر في الانتقائية وتطبيق المعايير المزدوجة. ينكشف هذا الخلل عندما تمارس هذه الحقوق داخل بلدانها، في حين أنها تتجاهلها عندما تتعامل بها خارج بلدانها أو تمارسها مع الغير. نقطة أخرى تتعلق باحترام ثقافات الشعوب فكما ذكرت سابقاً أن ما يعتقده الغرب أنه انتهاك حقوقي قد يراه هذا المجتمع المسلم أو ذاك أنه من صميم ثقافته وقناعاته ومعتقداته كتطبيق عقوبة الإعدام في الإسلام والغرب على سبيل المثال.

الغرب يتكلم لغة مختلفة حين يأتي الأمر على حقوق بعض الشعوب أو الأقليات المسلمة في بعض الدول الأوروبية فضلاً عن ممارسات إرهاب الدولة كإسرائيل مع إخواننا الفلسطينيين. إشكالية الغرب تحدث عندما يدخل في صراع بين المبادئ والقيم مع المصالح والمكاسب، ولذا يرى البعض أن التمسك بكونية حقوق الإنسان واحترام خصوصية الشعوب معادلة يجب تكريسها لمواجهة هذا التناقض الصارخ.