الإنسان بلا خيال نظّارة بلا عينين .. «الخيال هو بساط الريح الذي يُحَلّق بعواطف الشاعر حين تجيش حتى تتجسّد وتنبض بالحرارة والحياة»، الفن كله يمتزج بالخيال امتزاج العطور بالزهور، ولكن الإغراق فيه قد يحمل نوعاً من الغرابة التي ربما وصلت حدّ التكلف.

من الخيال البعيد قول الشاعر:

وكأنَّ مُحْمَرَّ الشقيقِ إذا تَصَوَّبَ أوْ تَصَعَّدَ

أعلامُ ياقوتٍ نُشِرْنَ على رِمَاحٍ مِنْ زَبَرْجَدَ

و(مُحْمَرُّ الشقيق) ورودٌ حمراء قاتمة، قائمة على أُصُولِها، مرتفعة، وَصَفَها بشكلٍ خيالي مُغرِق، إذ لايوجد أعلام ياقوت على رماح من زبرجد (حجر كريم يشبه الزمرد له عدة ألوان أشهرها الأخضر والأصفر)..

وقريبٌ من غرابته قول أبي الغنائم الحمصي:

خُـوْدٌ كأنّ بَنَانَــها في خُضْرةِ النّقْشِ المُزَرّد

سَمَـكٌ مِنَ البـلّوْرِ في شَبْكٍ تكوَّنَ مِنْ زَبَرْجَد

فصورة السمك البلّوري في شبكٍ زبرجدي من الخيال شبْه الافتراضي.

والأقل غرابة قول امرئ القيس:

أَيَقْتُلُني وَالمَشرَفِيُّ مُضاجِعي وَمَسنونَةٌ زُرقٌ كَأَنيابِ أَغوالِ

فلا أحد رأى الغول، غير أنّ تصوّرها في الأساطير تشفع للشاعر.

وقول التنوخي:

أما ترى البَرْدَ قد وافتْ عساكرُهُ وعسكرُ الحرّ كيف انصاع منطلقا

فانهض بنارٍ على فحم كأنهما في العين ظلم وإنصاف قد اتفقا

جاءت ونحن كقلب الصب حين سلا برداً فصرنا كقلب الصب إذ عشقا

فقد جسّد المعنوي بأشكالٍ ماديّة والعكس.

ولابن بَقِي :

ولقد ذكرتُكِ والزَّمانُ كَأنَّهُ يومُ النوى وفؤادُ مَن لم يعشقِ

يقول: إنه ذكرها في زمن شديد السواد عليه لِبُعْدِها عنه، فشبّه السواد بيوم النوى وهو أقرب للخيال الجيد من (فؤاد منْ لم يعشق) الذي يرى أنّه قاسٍ شديد السواد، لمجرد أن العشق لم يجد له من طريق!.