المطر بالنسبة للعرب مسألة حياة أو موت في صحرائهم القاسية، ولذلك فمن أسمائه (الغيث) - وهناك أكثر من خمسين اسم آخر تدل على شدة حب العرب للمطر والسحاب - ويمتاز العرب بإيمانهم العميق بالله العلي العظيم، وصبرهم الشديد في تلك السنين العجاف التي يحتبس فيها المطر وتقشعر الأرض ويكاد يهلك الزرع والضرع، وهم يقيمون صلاة الاستسقاء كلما قلّ المطر، إيماناً بالله العظيم، واتباعاً لسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، وممّا يزيد الشوق للغيث أنّ صحراء العرب (إذا مُطِرَتْ عودٌ ومسكٌ وعنبر) كما يقول الأول.. ونقدم الآن مقاربة بين قصيدتين في هذا الغرض الطيّب من أغراض الشعر، أحدهما بالفصحى للقاضي في منطقة جازان ابن عمر الضمدي، والثانية بالعامية للشاعر المشهور محسن الهزاني .

(القصيدة الأولى)

ذكر أديب منطقة جازان محمد بن أحمد العقيلي في كتاب المخلاف السليماني

أُصيبت منطقة المخلاف السليماني ( وهي جازان وما جاورها ) بجدب وقحط شديد عام 973هـ/1565م، وسُمِّيت تلك السنة بأُمّ العظام لأن الناس أكلوا العظام من شدة الجوع، فخرج الناس للاستسقاء وأمّهم رجل مسن وهو القاضي ( ابن عمر الضمدي ) - رحمه الله - فلما وقف أمام الناس حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم ترجل هذه القصيدة، فما انتهى منها إلا وقد انهمر المطر، وما استطاع الحراك من مكانه إلا محمولاً على أكتاف الرجال من شدة المطر ومما قاله:

فاشملْ عبادَكَ بالخيراتِ إنهمُ

على الضرورةِ والشكوى قدِ اشتملوا

واسقِ البلادَ بغيثٍ مسبلٍ غَدَقٍ

مباركٍ مُرجَحِن مزنُهُ هَطِلُ

سَحٍّ عميمٍ ملث القطر ملتعقٍ

لرعدهِ في هوامي سُحبِهِ زَجَلُ

تُكسى به الأرضُ ألوانًا مُنمنمةً

بها تعود بها أحوالُها الأُوَلُ

ويصبحُ الروضُ مُخْضَرًا ومبتسمًا

من النباتِ عليه الوَشْيُ والحُللُ

وتخصبُ الأرضُ في شامٍ وفي يمنٍ

به وتحيا سهولُ الأرضِ والجبلُ

ياربِّ عطفًا فإن المسلمين معًا

مما يقاسون في أكبادِهم شُعَلُ

القصيدة الثانية:

سوف أتحدث لكم عن الشاعر محسن بن عثمان الهزاني ويُرجح الرواة أن وفاته كانت في عام 1245هـ تقريباً ومع الأسف إن أكثر الناس في وقتنا الحاضر لا يعرفون عنه إلا أنه شاعر غزل ولكنْ له أبواب كثيرة في غير الغزل، له شعر في الحكمة وفي الدين وفي النصح وفي المراسلات وله ديوان مطبوع اسمه ( طيور القلب جمعه واحد من أسرته، ويعرف عنه (قصيدة الاستغاثة ) فقد حدث في سنة من السنين أن أهل البلد أصابهم جفاف في الحريق استمر ثلاث سنين أو أربع سنين ومما جاءهم سيل وأقاموا صلاة الاستغاثة ولكن من سوء حظه أنه ما كان معهم، تأثر محسن مما أصاب البلدة من جفاف يبست معه النخيل غَدت ما عاد فيها إلا قلوبها خُضر عسبانها اصَفرت والأرضة شبّت في الأثل والجدران وبعض الآبار يبست والبهايم من الضعف والبعارين جاها مثل (السلاق) فقام ونظم القصيدة التي استطاع أن يوظف فيها أسماء الله الحسنى وعزم أنه يتضرع بها لله سبحانه وتعالى لعل الله يغيثهم والقصيدة تميل إلى الفصحى لأن الوقت الذي عاش فيه محسن الهزاني ( كان بالمناسبة معاصراً لابن لعبون ) يوم انتهى من القصيدة وجهزها قام في الصباح الباكر وأخذ معه عدداً من جماعته والعيال الصغارى ، يوم تجمّعوا بمصلى العيد قال : تدرون ويش أنا جامعكم هنا له؟ قالو: لا، قال: حنا الله يدفع البلا الديرة ما عاد بقي إلا شوي ونموت عطش في محلنا هذا واليوم مثل ما تشوفون استغثنا مرتين ولا كتب الله شيء وها الحين نبي نطلب الله سبحانه وتعالى لعل الله يرحمنا ثم قال القصيدة ويقولون: إنه عقب ما كمّل القصيدة أنه ما تمو لهم ليل أو يوم إلا والسيل جايهم يقول جاهم سيل عجيب ومطر عجيب حتى الاثل طلعت عروقه من تحت الأرض من قوة سيلٍ جاهم:

ومن قصيد محسن:

اسألك بالذي يا ايلاهي نزل

وأسالك غادياً مادياً كلما

لج فيها الرعد حل فينا الوجل

وادق صادق غادق ضاحك

باكيا كلما هلّ مزنه هطل

المُحث المرث المحن المرن

حامياً سامياً آنياً متصل

وأسألك بعد ذا عارضاً سائحاً

كن دقاق مثنى سحابة طبل

داير حاير عارض رايحا

كل من شاف برقه تخاطف جعل

من سحاب صدوق جفول عريض

حتى قال:

مدهش مرهش مرعش منعش

لمع برقه كما سيوف هند تسل

كن نثر الطها يوم هب الهوى

فرق ريم جفل وارتهش واجتول

كل ما اخطفق واصطفق واندفق

واستهل وانتهل انهمل كالهلل

ادهم مظلم موجف مركم

جور سيله يعم الوعر والسهل

به يحط الحصى بالوطا من علا

منحي بالرفاء والغثاء بالشلل

حينما ارتوى واستوى واقتوى

واستقل وانتقل اضمحل المحل

بعد ذا آخر ما حمى جور ماه

ثم يشيل الشجر في مسيل الفحل

كلما ازدجر واندجر وانفجر

ماه حط الحجر في جروف الجبل

والفياض اخصبت والرياض اعشبت

والركايا أرجعت والمقل اسفهل

والحزوم اربعت والجوازي سعت

ويقال أن الله سبحانه وتعالى أغاثهم ولولا أن هذا الكلام صحيح ما بقيت القصيدة ووصلتنا في وقتنا الحاضر. والله سبحانه قادر على كل شيء.