منذ أكثر من (10) أعوام تقريباً أو أكثر بدأت الدعوة الجادة إلى دمج المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية والمؤسسة العامة للتقاعد، وسبق أن أُجريت دراسة بتكليف من اللجنة العليا للإصلاح الإداري وخلصت اللجنة بتوصية ضم المؤسستين في كيان واحد، بهدف تحقيق عدة أهداف كتخفيض التكاليف الإدارية والمالية والتقنية، وتوحيد بعض الإدارات إضافة لإمكانية سد العجز المتوقع في أحد الجهازين من خلال الاستعانة بالآخر، وغيرها من فوائد أخرى.

في عام 2014م بدأت الدعوة تتخذ شكلاً آخر، حيث تحولت إلى مطالبة أو توصية قدمها أعضاء بمجلس الشورى حينها وهم: الدكتورة مستورة الشمري والدكتور جبران القحطاني والدكتور حاتم المرزوقي طالبوا من خلالها بدراسة دمج مؤسسات وأنظمة التأمينات والتقاعد في مؤسسة واحدة، واختلفت آراء الأعضاء حول تلك التوصية، فبعضهم أيدها لما فيها من توفير التكاليف على الدولة وتوحيد استثمارات مؤسسات التقاعد، فيما عارضها آخرون من أعضاء مجلس الشورى.

لكن إذا نظرنا إلى الدول الخليجية المجاورة لنا سنجد أن لدينا (3) تجارب ناجحة في عملية الدمج، في البحرين والإمارات والكويت، ففي البحرين شهد عام2008م ضم التأمينات والتقاعد في «الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي»، وأوكلت إليها مهام تحقيق التغطية التأمينية للموظفين والضباط والأفراد الخاضعين لقانوني التقاعد المدني والعسكري والموظفين والعاملين الخاضعين لقانون التأمين الاجتماعي ضد أخطار الشيخوخة والعجز والوفاة والتعطل عن العمل.

وفي الكويت عهد إلى المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية تطبيق قانون معاشات التقاعد للعسكريين والذي يشمل العسكريين الكويتيين من رجال الجيش والقوات المسلحة وأعضاء قوة الشرطة ومتطوعي الحرس الوطني، وصارت الأمور الخاصة بالتقاعد تُنفذ من خلال مؤسسة التأمينات.

وفي الإمارات يخضع لأحكام «الهيئة العامة للمعاشات والتأمينات الاجتماعية» كافة العاملين في القطاعين العام والخاص بما في ذلك مجلس الوزراء والمجلس الوطني الاتحادي.

نحن إذن أمام ثلاث تجارب ناجحة في دمج اختصاصات ومسؤوليات التأمينات والتقاعد وهي تجارب خليجية وليست خارجية أي تنتمي لواقعنا وبيئتنا، وإذا كان لكل شيء مميزاته وسلبياته فإن كفة المميزات في الدمج تبدو الأكثر وضوحاً، خاصة في مستقبل الأيام القادمة، حيث يعمل الدمج على تبسيط الإجراءات وتوحيد المنافع بين النظامين، وإذا كانت هناك بعض السلبيات فسيتم حلها مع الوقت كأي تجربة اقتصادية أخرى، والأهم بالطبع مراعاة المصلحة العامة للمواطنين، والنظر إلى المستقبل البعيد وليس فقط الأيام الحالية.

أيضاً هذا الدمج من شأنه المساهمة الفعلية في مواجهة التحديات التي تواجهها الحكومات بصفة عامة لتزويد مجتمعاتها المسنة بتقاعد آمن مالياً، كما يشير إلى ذلك موضوع نشرته مجلة «أهلاً وسهلاً» الصادرة عن الخطوط السعودية بعددها الأخير، بعنوان: «المعاشات التقاعدية»، حيث قال معدوه: إن الإصلاحات التي تحاول كثير من الدول تنفيذها تتضمن إجراءات صعبة وقاسية ولذا ينظر إليها الكثيرون بعين الشك ويتخوفون منها، كونها تعتمد على تخفيض المزايا التقاعدية وتقليص فرص التقاعد المبكر وغيرها من الإجراءات الصعبة.

هذا كله يضعنا مرة أخرى أمام ضرورة دراسة الدمج بجدية وإقراره طالما كانت فيه المصلحة، خاصة وإن التجارب الخليجية المجاورة جيدة وأثبتت نجاحها.. ولا شك أن ذلك لا ينفي أو يقلل من جهود القائمين على مؤسستي التأمينات والتقاعد وكذا اهتمامهم بالدراسات الاكتوارية ذات الأهمية البالغة لصناديق التقاعد والأنظمة التأمينية خاصة وأنهما عضوان في المنظمة الدولية للضمان الاجتماعي (الأيسا) ومقرها جنيف..