إصلاح التعليم يجب أن يكون له الأولوية فهو القاطرة التي ستأخذ المملكة إلى مصاف الدول المتقدمة وهو الحل لكثير من التحديات الصحية والاجتماعية والبيئية التي نعيشها..

نيوزيلندا دولة متقدمة ومستقرة رغم أنها لا تملك ثروات طبيعية، لكن يعود السبب في ذلك إلى الاستقرار السياسي ووجود طبقة متوسطة كبيرة تشكل حوالي 90 % من السكان، وأكثر سكانها منتجون، يقول أحد أساتذة الجامعات في أستراليا: لا يقاس تقدم الأمم واستقرارها بعدد الأغنياء ولكن بقلة الفقراء، ذلك أن الفقر حاضن للكثير من أمراض المجتمع، فالفقير من أقل الناس قدرة على تربية أولاده تربية صحيحة متوازنة، كما أن بيئة الفقر تعد من أفضل البيئات الحاضنة لتجار المخدرات والتطرف والإرهاب، وفي البيئات الفقيرة يكثر العنف الأسري وتنتشر الأمراض البدنية والنفسية التي تعالج بطرق بدائية تضر أكثر مما تنفع، وتنتشر الأمية في البيئة الفقيرة ويتسرب الأطفال من المدارس، كل ذلك يحتم وجود برنامج وطني شامل يوفر المعلومات الدقيقة عن كل أسرة في كل مدينة وقرية ثم تتضافر الجهود من قبل الدولة والقطاع الخاص والقطاع الثالث وهو منظمات المجتمع المدني للقيام بجهود مشتركة كل في مجاله لانتشال تلك الأسر من دائرة الفقر إلى مستوى الطبقة المتوسطة عن طريق تمكين القادرين منهم على العمل وتقديم الرعاية الصحية الأولية لهم، ومتابعة تعليم أفراد الأسرة ومنعهم من التسرب المبكر من التعليم، وهذا يتطلب القيام بالجهود الآتية:

أولاً. يقول السفير الفنلندي لدى المملكة في إحدى المناسبات: كانت فنلندا من أفقر دول أوروبا، خرجنا من الحرب العالمية الثانية مهزومين وخسرنا الكثير من الرجال والأراضي التي استولى عليها الاتحاد السوفييتي وأرسل لنا بدلاً من ذلك نصف مليون لاجئ، وبقيت فنلندا حتى السبعينات دولة فقيرة تعتمد على الزراعة إلى أن بدأنا البداية الصحيحة للنهضة التي نشهدها الآن وهو التوجه إلى إصلاح التعليم وجعل تطويره أولوية وطنية، وقد بدأنا بحسن اختيار المعلمين وتحسين أوضاعهم وتأهيلهم وجعل شهادة الماجستير شرطاً للالتحاق بالتعليم من مرحلة رياض الأطفال، إضافة إلى التركيز على إنتاجية الفرد والتوجه للصناعة والتصدير وخاصة شركات التقنية وهذا هو ما جعل فنلندا دولة مستقرة ومتقدمة. إصلاح التعليم يجب أن يكون له الأولوية فهو القاطرة التي ستأخذ المملكة إلى مصاف الدول المتقدمة وهو الحل لكثير من التحديات الصحية والاجتماعية والبيئية التي نعيشها.

ثانياً. كل الجهود يجب أن تركز على الإنسان وتطويره وجعله منتجاً بدل أن يكون مستهلكاً فقط، ومن أهم الفئات التي يجب الاهتمام بها الطبقة الأقل دخلاً والتي تعيش على الضمان الاجتماعي أو على الراتب التقاعدي البسيط، وهذا يتطلب توحيد الجهود بدءاً بالجامعات التي تعد من أهم مصادر الدراسات وإيجاد الحلول العلمية، ومن أهم ما يجب أن تقوم به الجامعات هو الاستعانة بالأساتذة والطلبة والطالبات في البحوث الميدانية وجمع المعلومات الموثقة عن كل الأسر الفقيرة في نطاق كل جامعة وتحديد متطلباتها والعوائق التي تحول دون جعلها منتجة، بعدها يأتي دور وزارة العمل والشؤون الاجتماعية لتوحيد الجهود وإشراك الجمعيات الخيرية والوقفية، وإشراك الوزارات الأخرى من تعليم وصحة لتوفير كل أسباب نجاح هذا البرنامج الوطني الذي يكافح أسباب الفقر ويمكن أفراد الأسرة من العمل، والتأكد من عدم تسرب أطفالها من المدارس، وضرورة إلحاق أبنائها برياض الأطفال، فالتعليم المميز هو العنصر الأهم لإخراجهم من دائرة الفقر التي تتسع مع كثرة الأطفال وإهمال تربيتهم وتعليمهم.

ثالثاً. لا بد من تفعيل المجالس البلدية والإدارات الموجودة في المحافظة وبرئاسة المحافظ لتوحيد الجهود والتعاون مع وزارة العمل والشؤون الاجتماعيىة والجمعيات الخيرية والتنموية الموجودة في المحافظة للتركيز على تمكين الأسر من العمل والكسب بدل انتظار الإعانة من الضمان الاجتماعي أو من الجمعيات الخيرية.

الوصول إلى مصاف الدول المتقدمة بحاجة إلى جهود كبيرة وعمل جماعي وإشراك جميع فئات المجتمع في التنمية والاستفادة من كل عناصر القوة الموجودة ومن أهمها الجامعات وما تزخر به من كفاءات علمية وبشرية، والجمعيات الخيرية المنتشرة في كل مدن وقرى المملكة، إضافة إلى ما تقوم به الحكومة من جهود كبيرة ممثلة في وزارة العمل والوزارات الأخرى كالتعليم والصحة والبلديات والشرطة وغيرها.

المملكة تعيش تحولات جذرية في كل المجالات وخاصة المجال الاقتصادي والاجتماعي وهذا يتطلب العمل الجماعي وإشراك كل فئات المجتمع، ومواصلة تطوير الأجهزة الحكومية ومن أهمها التعليم فهو الضامن للسير بالمملكة نحو نادي الدول المتقدمة.