كأقدام المُدلجينْ كانت عينا حمّاد تلفظان التعب!!

استلقى تحت شجرة الأثل، وكانت صراصير الظهيرة تأزّ بشراسة..

علق نظره في قبة السماء الصافية، وكانت أسراب من النسور تدور حول بعضها وهي تصعد نحو البعيد البعيد..

أخذ يراقبها وهي تصغر وتتلاشى..

هذه هي النسور.. وتذكر ريشة أستاذهم القديم، الذي جاء ذات يوم بريشة نسر، وقد قص أنبوبها بشكل حاذق.. وأخذ يغمسها في دواة الحبر ويكتب ويقول: انظروا هكذا كان يكتب أجدادكم..

كانوا مذهولين من جودة الخط ورصانته..

لا تزال الريشة وعبق الحبر، والقرطاس، ووجوه زملائه الصغار، ووجه أستاذه الواثق لا تزال تنتابه من حين إلى حين..

عاد يحدق في السماء يبحث عن النسور.. يعرف أن جماعات النسور هذه لا تكون هكذا إلا بعد أن شبعت من جثة بعير أو كبش أو حمار..

كان صباح أمس سمع عن حكاية سلمى -نعم سلمى بعينها– التي زوجها أبوهاعلى ابن عمها «عامر» سائق الشاحنة، المشهور بعميرين، وكذلك بالندوب السوداء في وجهه، والأسنان المتآكلة بفعل الدخان، ولسانه الأعوج، وأنفه المشروخ، والمعروف عنه بأن كثيراً من الجراء ماتت على يده في صباه، فكان يحرق رؤوسها ويعلق أذنابها على الشجر..

قالوا عن سلمى إنها رائعة الجمال، وإنها تقف دائماً تناجي القمر في لياليه البيضاء.. وكانت تقرأ في كتاب مغلّف بحذق.. وتخط على الرمل أشعاراً وحكايات، وأغاني.. وفي محفظتها صورة تطيل التحديق فيها، ثم تتراوغ عيناها بالدموع.. وقد بكت كثيراً عندما علمت بنبأ زواجها من عميرين القهري، لأنه سوف يسدد ديون أبيها.. وحين أقبل موعد الزواج.. صارت تضحك، تحيّي الناس، وكأنها تودعهم، تقبل الأطفال وتوزع عليهم الحلوى وترقص.. وربما ألقت عليهم بعض قصائد طفولتها فتردد:

«جَانَا الغرَيّب يردي، يردي

ومكحل بالوردي..»

تطيبت سلمى بطيب «الغالية» الذي تحتفظ به من عهد المرحومة جدتها.. جدتها كانت تقول: سوف أتطيب به في زواج سلمى.. فاحت ريحته، فشعرت أنها بجانب جدتها، تشم أنفاسها وتحس بقبضتها عندما كانت تدس في يدها الحلوى وهي طفلة..

خرجت سلمى منتصف الليل، ملتفة بردائها الأحمر الذي تفوح منه رائحة الغالية.. قبلت الباب طويلاً ثم سارت بين النخيل، متجهة إلى الربوة المطلة على البساتين والبيوت.. كانت تسمع نقيق الضفادع في البرك.. وقد حملت إليها الريح صوت ثعلب يأتي من الفجاج البعيدة، حيث الزروع، والحصائد، ورائحة البرسيم.. صعدت حتى وصلت إلى أعلى الربوة.. بدت البلدة غافية إلا من أضواء واهنة خافتة تتسلل من نوافذ البيوت الهاجعة بين النخيل.. أخذت تصلي على نفسها، وترتل تراتيل واهية وقد علقت عيناها بالنجوم.. كانت تتلمس بيدها المرتعشة زجاجة «الزرنيخ» الصغيرة.. ضغطت على قلبها وروحها واستجمعت كل شجاعتها ثم تجرعت الماء المحرق المر.. استدارت بها الدنيا.. وأصبحت السماء تحت الأرض، والنجوم قطعاً من اللهب تتبخر منها رائحة السم والموت.. صدرت منها أنة ثم تهاوت..

فتح حمّاد عيناه نحو السماء فلم ير النسور التي اختفت وكانت تحمل في حواصلها محبوبته سلمى!!.