بلا شك أن العام 2018 هو عام مختلف وصعب على الجميع، فالمستهلك دخل العام الجديد وقد أضيف إلى أعبائه المعيشية تكاليف إضافية سيتحملها مع أعبائه السابقة ممثلة في ارتفاع فاتورة البنزين والكهرباء إضافة إلى تحمله تكاليف فاتورة ضريبة القيمة المضافة (كلها أو بعضها)، وإن كان نال بعض التعويض مقابل هذه التكاليف بما صرف له من بدل غلاء أو بما خصص له من حساب المواطن.

قطاع الأعمال بدوره بدأ العام وهو يترقب تطبيق غرامة العمالة الوافدة (الفاتورة الموحدة)، والتي أعلنت قبل أسبوعين وكانت فاتورة ثقيلة بالنسبة له سيما مع الركود وضعف المبيعات التي يعاني منها قطاع الأعمال منذ ثلاثة أعوام، إضافة إلى زيادة الرسوم البلدية على كثير من الأنشطة التجارية والتي أعلنت تفاصيلها الشهر الماضي. وحتى مع كون مبرر الفاتورتين صحيحاً وخصوصاً الأولى كونها فاتورة إصلاحية لتشوهات سوق العمل، إلا أنهما تشكلان مجتمعتين أو منفردتين تكلفة إضافية في كل الحالات سيتحملهما التاجر والمستهلك النهائي في النهاية.

وبنظرة سريعة على واقع السوق حتى قبل الزيادات الأخيرة فالواضح أن النشاط الاقتصادي يمر بدورة ركود طالت كل أجزاء السوق، وإن اختلفت درجتها بين القطاعات من ركود بسيط لنشاط الأغذية وخدمات الصحة والتعليم إلى ركود كبير وواضح على قطاعات البناء والإسمنت وبعض الكماليات، وبالتأكيد فلو توقفت قرائتنا إلى هنا، لتوصلنا إلى نتيجة أن السوق مقبلة على ركود أكبر وربما دخلت بعض قطاعاتها مرحلة الكساد بسبب زيادة التكاليف التي أشرنا لبعضها.

لكن على اليد الأخرى، دخل الاقتصاد عامه الجديد وهو موعود بأكبر ميزانية توسعية تعلن في تاريخ البلد في جانبها الإنفاقي، وهي ميزانية سيتم إنفاقها على قطاعات وأنشطة مختارة بعناية دعما لتحقيق أهداف رؤية 2030، وهذا الإنفاق بدوره -متى بدأ فعلياً- سيحرك نمو بعض الأنشطة في السوق بما يحد ويقلل من درجة الركود وتأثير الزيادات السابق الإشارة إليها على قطاع الأعمال، بل وسيعيد للسوق بعض حيويتها ونشاطها، وهذا مشروط بالطبع ببداية الضخ الحكومي على مشروعات تنموية جديدة مثل نيوم وجدة تاون والقدية وغيرها أو استكمال مشروعات تم البدء فيها فعلياً خلال السنوات الماضية، ومازالت بحاجة لإنفاق رأسمالي ليكتمل بناؤها وتشغيلها.

والخلاصة أن السوق اليوم بين متغيرين يعمل كل منهما عكس الآخر، فكما أن هناك تكاليف إضافية فإن هناك أيضاً ضخا رأسمالي واستثماريا منتظرا حسب ما بشرت به أرقام الميزانية، وبالطبع سيكون توجه الاقتصاد لمن كان له الأثر الأكبر من المتغيرين.

ختاما، يمر اقتصادنا اليوم بتغيير هيكلي كبير وتصحيح صارم لتشوه سوق العمل، وهذا ربما أدى لخروج منشأة هنا أو إفلاس شركة هناك وهو شيء متوقع، إلا أن الأرقام الكلية للاقتصاد من ركود وبطالة وتضخم يجب أن تكون تحت النظر، والأهم اقتصادياً اليوم أن لا تطول فترة الركود أكثر، وأن لا يحمل المستهلك أي أعباء أخرى تضعف القدرة الشرائية التي هي المحرك الرئيسي للسوق ولجذب ودعم الاستثمارات فيه.