.. أعترف أن هذه السطور عن مهرجان الجنادرية هذا العام تأتي متأخرة ولكنها تبقى عالقة في الذهن والقلب للنجاح الذي حققه المهرجان بكل المقاييس.. ولعلي هنا أعرج إلى حديث ذلك الرجل المسن الألماني عندما قال لي: إن مهرجانكم «الجنادرية» يأتي بتلقائية متناهية.. يعبر عن كل الزوايا الاجتماعية في حياتكم.. بعفوية وصدق.. بين القيادة والشعب.. هكذا قال هذا المسن.. ولقد أطربتني كلمته بل عبر عما كنت أحلم به.. وكما نعلم جميعاً فإن للشعوب تقاليدها الخاصة التي تحرص على إحيائها ورعايتها تمسكاً بمكنوناتها وجذورها التاريخية، انطلاقاً من عمق مخزونها التراثي والثقافي.

من هنا نفهم حرص الدولة، على بث روح الاعتزاز بكل المناسبات والجذور الأصيلة، ومن أبرزها المهرجان الوطني للتراث والثقافة «الجنادرية» الذي انطلقت دورته الثانية والثلاثون قبل أيام، بحضور خادم الحرمين الملك سلمان بن عبدالعزيز وعدد من أمراء وشيوخ دول الخليج العربية.. ليمثل مظهراً سعودياً بامتياز، ومناسبة فعالة وشاملة تعزز مضامين الانتماء لهذا الوطن، عبر الكثير من الفعاليات التي اكتسبت أبعاداً مميزة.

مهرجان الجنادرية، بمظهره العام.. امتداد تاريخي راسخ لكل جذورنا الصلبة بمثل ما هو انعكاس للكثير من القيم والتقاليد العربية الأصيلة التي تذكرنا بقيمة الآباء والأجداد، فتتشعب ثقافياً وفنياً وفكرياً لتكون إحدى واجهاتنا الحضارية أمام العالم، تضع الجميع في الصورة، وتكون الرد البليغ على كل الأقاويل المغرضة والادعاءات الكاذبة.

فالمهرجان الذي تأسس في ثمانينات القرن الماضي، بهدف الحفاظ على التراث الشعبي المحلي والتعريف به وحمايته من الإهمال، يعكس نقطة الالتقاء الإنساني بين جميع الحضارات وإشعاعاتها الفكرية والثقافية والفنية، وذلك من كوكبة الضيوف المتنوعة التي تحرص على الحضور أو المشاركة من كافة دول العالم، كما يمثل توجهاً سعودياً رفيعاً لبناء قاعدة تعارف مع جميع الثقافات من خلال اعتماده تقليد استضافة دولة ذات مكانة لتكون «ضيف شرف المهرجان»، وهو تقليد تم اتباعه في السنوات العشر الماضية، بهدف توطيد العلاقات الثقافية مع عدد من الدول العربية والأجنبية، لذا كانت الهند بما تمثله من رصيد تاريخي عميق، وتعددية وتنوع عرقي وديني ولغوي هي ضيف شرف هذا العام.

هذه الخطوة الأخيرة بالذات، تجعل من المهرجان إضافة حضارية معتبرة للتاريخ الإنساني والبشري الذي يقفز فوق إشكاليات كثيرة، ويحرص على جمع هذا الخليط المتنوّع، لا تستهدف التعريف بالمكنون الحضاري لدينا فقط باعتباره تاريخ وطن، ولكن بالتطبيق العملي الواسع لحكمة الله في الخلق.. التعارف والمشاركة، لا التعارك والمنافسة، وهذه وحدها كافية لجعل المهرجان واحدةً من أهم المناسبات الحضارية ليس في المملكة وحسب، ولكن في المنطقة وربما العالم.

هنا قيمة مهرجان الجنادرية الوطني للتراث والثقافة، وهنا قيمة قيادة تدرك الأبعاد التراثية الأصيلة التي يجب ترسيخها وتنميتها، وهنا أيضاً قيمة تاريخ طويل ومخزون من أدوات الثقافة الناعمة التي يجب ألا تغيب أبداً.

  • إشراقة وطنية..

عدد من الأجنحة التي تواجدت هذا العام في المهرجان وبالذات الإدارات الخدمية كانت خطوة إيجابية وجاذبة.. وبالذات الداخلية ووزارة المالية.. والنقل وغيرها كثير.. تعظيم سلام للجميع.