لعل مراجعة إجراءات فرض الزكاة والضريبة، ذات الارتباط المباشر بالاستثمار العقاري، قد تسهم في تخفيف حدة تأثير أزمة إلغاء الصكوك، وتساعد في الوقت المناسب خطط الدولة وأهدافها الطموحة لتنمية الاقتصاد المحلي عامة، وسرعة معالجة أزمة السكن..

ليس بخافٍ ما تبذله الدولة من جهود جبارة ومتواصلة لوضع حلول ومعالجات لأزمة الإسكان، وتوفير السكن الملائم للمواطن السعودي، بتكلفة معقولة، وفي مدة مقبولة.

ولعل من أهم وأبرز الوسائل التي سلكتها وزارة الإسكان للعمل على إحراز تقدم إيجابي في تخفيف هذه الأزمة، الاستعانة بشركات التطوير العقاري باعتبارها شريكاً أساسياً للوزارة في تقديم نماذج مشروعات عقارية ملائمة لاحتياجات المواطن، وبأسعار معقولة، وبمواصفات جودة عالية، وهذا ما يعتبر فارقاً جوهرياً بين فكرة «المطور العقاري» و»التاجر العقاري»؛ فالمطور العقاري هو الشركات المؤهلة بالفكر والكفاءة اللازمة، التي تقدم مشروعات ذات جودة، من خلال العمل على تطوير البنية التحتية لأرض المشروع، ثم تنفيذ الوحدات العقارية المناسبة ذات الجودة والأسعار المنافسة، وبمعايير تختلف جذرياً عما يقدمه «التاجر العقاري التقليدي» من عقارات (أرض، أو مشروعات سكنية) منخفضة الجودة، مرتفعة السعر، لأنه يهدف إلى الربح السريع المرتفع فقط لا غير.

وما من شك أنه ما زالت هناك حاجة إلى شركات التطوير العقاري المؤهلة القوية في إمكاناتها، التي تعمل بمهنية عالية، تحفظ حقوق المستهلكين من المواطنين بنفس القدر الذي تحفظ به حقوقها، وتسعى إلى مصالحهم بقدر حرصها على مصالحها، فتكون المصلحة هنا مشتركة، وميزان العدالة منضبطاً بين الطرفين، ترعاه الجهة المتخصصة –وزارة الإسكان– ويحتكم فيه الجميع إلى أنظمة فاعلة شاملة.

إلا أنه ومن خلال خبرتي واطلاعي على قضايا المنازعات الزكوية والضريبية، وجدت أن هناك إشكالية كبرى تحتاج إلى إعادة نظر ودراسة متأنية من الجهات العليا، وهي أن بعض المعايير المتبعة لدى هيئة الزكاة والدخل في جباية الزكاة والضريبة على الاستثمارات العقارية، أو شركات الاستثمار العقاري، يكون فيها في كثير من الأحيان ضغط كبير على تلك الشركات، وتطبيقات قد تكون أحياناً سلبية وغير مشجعة على التوسع في توجه المستثمرين لهذا المجال من الاستثمار (العقاري)، ولعل أبرز مثال يتكرر دوماً في هذه القضايا، ما تفرضه هيئة الزكاة من ربوط زكوية على الشركات العقارية، بمطالبتها بزكاة عقارات وأصول مملوكة لتلك الشركة، رغم تأكيد الشركة أن هذه الأراضي والأصول معدة للاستغلال وأنها من أصول القنية التي لا تجب فيها الزكاة، إلا أن الهيئة العامة للزكاة ترفض هذا الادعاء، وتطلب من الشركة تقديم إثبات على أن هذه الأصول والعقارات ليست مملوكةً بغرض البيع والمضاربة، وهذا تكليف للشركة أن تقدم دليلاً حسياً على نوايا خفية!!

ومن المعلوم الثابت أن الزكاة ليست ضريبةً كسائر الضرائب التي يحكمها القانون؛ بل هي عبادة يتعبد بها المسلم ربه سبحانه، ويرتبط بالامتناع عن أدائها مع وجوبها عقوبات أخروية عظيمة، وبالتالي فإن مرجع هذه الزكاة يكون إلى ما هو متقرر من أحكام شرعية أقرتها الشريعة الإسلامية، وأعظم هذه الأحكام أن المكلف يصدّق فيما يدعيه من نية البيع والمضاربة، أو نية الاستغلال والاقتناء الطويل، إلا إذا كان هناك دليل ظاهر على كذب هذه النية.

ومن صور التعسف في بعض الربوط الزكوية لمثل هذه الحالات، احتجاج هيئة الزكاة على الشركة بأنها قد باعت بعض العقارات والأصول المملوكة لها، فتعتبر ذلك دليلاً كافياً على أن الباقي من العقارات والأصول معروض للبيع والمضاربة أيضاً، وهذا الاستدلال في غاية الضعف والوهن، وتكذيب دون دليل لإخبار المكلف عن نيته التي ائتمنه الشرع عليها ولم يكلفه بتقديم دليل لإثباتها.

هذا مجرد مثال على بعض إجراءات ومعايير جباية الزكاة فقط على الشركات العقارية، وقد سقته كأنموذج فقط، للدعوة إلى مراجعة هذا الملف مراجعةً تراعي مصالح أهم وأعظم، تتمثل في تشجيع الاستثمار العقاري في المملكة، الذي تضرر كثيراً ضرراً ما زال أثره ممتداً إلى اليوم، بسبب ما بدأ منذ سنوات من مراجعة وإلغاء صكوك عقارية، تم اكتشاف عدم سلامة إجراءات إصدارها، بمئات الملايين من الأمتار، وهذا الإجراء وإن كان فيه من الإيجابيات الشيء الكثير، خاصةً على المدى البعيد، إلا أنه وبلا شك أثر سلباً على ثقة المستثمر العقاري في إجراءات التملك وصكوك الملكية العقارية، وهذا أمرٌ في غاية الأهمية.

ولهذا فلعل مراجعة إجراءات فرض الزكاة والضريبة، ذات الارتباط المباشر بالاستثمار العقاري، قد تسهم في تخفيف حدة تأثير أزمة إلغاء الصكوك، وتساعد في الوقت المناسب خطط الدولة وأهدافها الطموحة لتنمية الاقتصاد المحلي عامة، وسرعة معالجة أزمة السكن.

وأؤكد هنا أني حين أدعو إلى مراجعة إجراءات الزكاة والضريبة الخاصة بهذا الموضوع، بأن يكون ذلك من عدة جهات على رأسها وزارة الإسكان، وهي الجهات التي تراعي جميع المصالح من كافة جوانبها، لا من هيئة الزكاة والدخل أو وزارة المالية فقط، التي قد لا يكون تركيزها إلا على دعم موارد الزكاة والضريبة، دون مراعاة الجوانب التنموية الأخرى.