ما بين مغرر به، وأخر يبحث عن الشهرة، ولفت الانتباه أصبحت حماية الذوق العام في المجتمع من الضروريات التي يجب أن تسن لها القوانين التي تحد من انتشارها خلال الفترة المقبلة، لاسيما وأن الأيام الماضية حملت الكثير من المخالفات التي تحركت معها الجهات المختصة في الكثير من مناطق المملكة، أبرزها خطبة فتاة في كورنيش جدة ورقص في مكان عام بـ"أبها"، وأخرى في جازان، وغيرها من سلوكيات ومظاهر تخدش الذوق العام.. ولم تكن حماية الذوق العام حبيسة الأدراج فقد ظهرت إلى السطح بعد أن طرحت مسودة من قبل مجلس الشورى تحمل أكثر من 40 مخالفة قسمت على فئات عدة، وحدد لها عقوبات مختلفة، وكل ذلك من أجل حماية الذوق العام في المجتمع السعودي.

وتضمنت مخالفات الذوق العام والسلوك 11 مخالفة يعاقب عليها نظام "حماية الذوق العام" في حال إقراره السجن مدة 3 أشهر، أو دفع غرامات مالية تبدأ من 300 ريال كحد أدنى، وترتفع إلى 3 آلاف ريال، أو بكلتا العقوبتين، حيث تصدر التنمر، وإطلاق العبارات الخادشة للحياء، أو العنصرية، أو الشتائم، أو التحرش بغرض السيطرة، أو السخرية، أو الإضحاك، قائمة تلك المخالفات التي يعاقب عليها مشروع نظام حماية الذوق العام.

واعتبر المشروع وجود مخالفات ضد الذوق العام أبرزها، التعرض للنساء والأطفال في الطرق، والمرافق العامة، أو في أنشطة تتسبب في الخطر، أو الفزع والأذى النفسي، والمعنوي، سواء بالفعل أم القول، أو الإشارة، أو الإهمال، من المخالفات، إضافة إلى السخرية من ذوي الاحتياجات الخاصة، وكبار السن، والأطفال، والنساء، أو ممارسة أي سلوك عنصري، أو تهكمي يمكن أن يحمل إهانة، أو انتقاصاً لفئة، أو جماعة، أو جنس، وكذلك استخدام أية وسيلة، أو أداء يمكن أن تتسبب في أي نوع من الضجيج، وتعكير الهدوء العام، مثل رفع صورة ولاءات، وغير ذلك.

17 مخالفة لـ"الطرق" و"المرافق العامة"

حدد مشروع نظام حماية "الذوق العام" أكثر من 40 مخالفة، مقسمة على أربع فئات، بحسب العقوبات المحددة لكل فئة، حيث تضمنت مخالفات الطرق والمرافق العامة 17 مخالفة، بغرامات مالية لا تقل عن 300 ريال ولا تزيد على 3 آلاف ريال، أو السجن مدة شهرين، أو كلتا العقوبتين معاً، وشملت الجلوس، وإشغال مقاعد، ومرافق كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، وتشويه المرافق العامة بالكتابة، سواء بالأصباغ، أو الآلات الحادة وما في حكمها، ورمي المخلفات، أو القاذورات في الطرق أو في أي مرافق عامة، وتوزيع المطبوعات على المنازل، والمنشآت، أو وضع الملصقات الإعلانية، والدعائية، والإرشادية على الجدران واللوحات، والأبواب والمرافق، وما أعد للخدمات من دون ترخيص، إضافة إلى ممارسة أية صورة من صور المضايقات، والتحرش بالمارة ومستخدمي الطرق، والمرافق العامة.

واعتبر النظام سد، أو إشغال، أو تعطيل المرافق العامة، أو الطرق في شكل مباشر، أو غير مباشر من دون مبرر نظامي من المخالفات التي يعاقب عليها، إضافة إلى عرض أرقام الهاتف، والحسابات الإلكترونية على السيارات، وفي المرافق العامة وما في حكمها من دون ترخيص، واستخدام الإضاءة الشديدة، والمؤذية في الطرق، والمرافق العامة وأمام المنازل والمحالّ من دون ترخيص.

وتطرق النظام إلى مخالفة تشوية المرافق العامة والطرق بترك المخلفات والأثاث، والسيارات المهملة، وإلقاء بقايا السجائر والطعام من نوافذ السيارات، ورمي النفايات في الطرق العامة، أو تركها خارج الحاويات، وقطع الأشجار، وحرقها في الأماكن الخلوية، والممتلكات العامة، والتخييم أو التجميع، أو إقامة الأنشطة والحفلات في الأماكن غير المخصصة لذلك، وتعاطي التدخين وما في حكمه في الأماكن الممنوعة، وتربية الحيوانات وسط المباني السكنية والأحياء، أو تركها سائبة في الطرقات من دون اتخاذ الاحتياطات المناسبة، وقضاء الحاجة في غير الأماكن المخصصة لها.

عقوبات لرفع الموسيقى في الأماكن العامة

حدد القسم الثاني من المخالفات في مشروع حماية الذوق العام ست مخالفات في حق المساجد، ووضع عقوبات تبدأ بغرامات مالية تبلغ 300 ريال وتصل إلى 3 آلاف ريال في حد أعلى، أو السجن مدة شهرين، حيث تضمنت المخالفات بيع البضائع في ساحات المساجد من دون إذن من الجهة المختصة، أو ازعاج بيوت الله بأصوات الأجهزة الإلكترونية، أو استخدمها بما يخل بحرمة المسجد، وممارسة التسول على أبواب المساجد أو داخلها، أو جمع التبرعات أو توزيع الإعلانات وما في حكمها، أو تشويه أو إساءة استخدام محتويات، وآثاث، ومرافق المساجد، والمصليات بالصور كافة، إضافة إلى الدخول إلى المساجد بملابس غير نظيفة، أو تنبعث منها روائح كريهة، أو غير محتشمة، أو تحمل عبارات غير لائقة، ورفع صوت آلات اللهو والموسيقي في الأماكن العامة، والسيارات قرب المساجد، وإعاقة طريق المصلين عند دخول المساجد بأية صورة من الصور.

العادة محكَّمة

من جانبه، أكد عامر فلاتة -محام ومستشار قانوني- على ضرورة، وأهمية وجود أنظمة، ولوائح تترجم، وتجلي على أرض الواقع مقاصد الشريعة الإسلامية، وتجعلها في قالب محدد، وموصوف للمواطن، والمقيم والزائر.

وأضاف:" الكتاب والسنة النبوية ذاخران بالنصوص التي تحث على اﻷمانة، والحياء، وحفظ النفس، والمال واﻷعراض، وحقوق الإنسان، والجار، والطريق، وإماطة اﻷذى عنه، وحفظ حقه، والمارة فيه، والمنافع العامة المشتركة، والنصوص التي تنهى عن كل ما يخدش الحياء، والذوق العام، ويؤثر سلباً في حقوق اﻵخرين".

وقال:" وردت هذه النصوص في شكل قواعد، ومبادئ عامة على سبيل المثال لا الحصر حتى تناسب ظروف الزمان، والمكان والحالة، وبالتالي فمهمة تقنين، وتحديد، وتوصيف المخالفات بحسب الزمان، والمكان، والحالة تقع على عاتق السلطة التشريعية".

وأكد فلاته، أنه يجب وضع قواعد، ولوائح نظامية موصوفة، ومحددة من حيث نوع، وشكل المخالفة، وعقوبتها، مشيراً إلى أنه ومن ناحية تكون هذه اللوائح بمثابة تحذير، وإنذار مبكر للعامة، ومن ناحية أخرى تقديم هذه اللوائح في شكل قوالب نظامية محددة، وموصوفه يسهل فهمها، ومراعاتها، والالتزام بها من قبل العامة بمختلف دياناتهم، وثقافاتهم، ولغاتهم.

وقال المحامي فراس حجازي:" في ظل التشريع الإسلامي نجد أن الشريعة لم تحدد أذواق الناس وأعرافهم، بل إنها حكّمت ذلك بينهم بما لا يخالف أسس الشريعة، فقد نصت القاعدة الفقهية بأن: "العادة محكَّمة".

وتابع:"لا نعرف أن أحداً من الدول المتحضرة قد حصرت أذواق الناس في قانون معين، وإنما يكون الذوق العام أمراً مرهوناً بتقبل عموم الناس للتصرفات، أو عدم تقبلهم، آخذين في اعتبارنا عدم مخالفة الشريعة الإسلامية بشكل عام".

التوعية بالتصرفات الدخيلة

أرجع أنس عاشور -المستشار الاجتماعي المتخصص في مجال الأسرة والطفولة- السبب فيما يحدث من خروج عن الذوق العام من قبل البعض من خلال ممارسات يرفضها المجتمع بقوله:" ضمن استحداث مواقع التواصل الاجتماعي، وانجراف المجتمع نحو التطور الرقمي أصبح توثيق اللحظة لدى المراهقين شيئاً ملموساً، وواضحاً للعيان، حتي لو علي سبيل الإساءة للمجتمع ككل".

وأضاف:" أصبح ذلك يأخذ منحنى آخر يخدش الذوق العام، والعادات والتقاليد داخل المجتمع الإسلامي، وبدأ بظهور عادات خارجية دخيلة علي مجتمعاتنا باختلاف أنماطه، وفئاته، وهنا لابد لنا بسن تشريعات، ونظم تحمي معتقداتنا الإسلامية، وعادتنا الاجتماعية من هذه الظواهر التي تمس عقول شبابنا، وتجعل من بعض التصرفات الطائشة، والغريبة أن تترسخ في عقول الأجيال القادمة علي أنها مقبولة، وطبيعية".

وتابع:" تارة خطبة فتاة في الكورنيش علي التشريعات الكاثوليكية، بيد أن الإسلام وضع لها معايير، وتشريعات داخل المنهج الإسلامي، وتارة مجون ورقص، والأخرى توثيق حوادث، وإصابات بدلاً من طلب المساعدة، أو إفساح الطريق لوصولهم".

وأوضح أن الأدهى من ذلك هو من يقوم بتصويرها، وعرضها، مشيراً إلى أنه يعرض نفسه للعقوبة بحسب (نظام الجرائم المعلوماتية)، وقال: "من هنا يبدأ دورنا كمجتمع بصورة عامة، أو مختصين بشؤون الأسر بصورة خاصة في توعية المجتمع من مخاطر هذه التصرفات الاجتماعية الدخيلة"، مشدداً على ضرورة توعيتهم ليصبحوا قدوة حسنة لغيرهم، وتصحيح تصرفاتهم عن طريق النصح، والإرشاد، أو عن طريق تخويفهم بالعقوبة كما ينص عليه نظام حماية الذوق العام. وكان مشروع نظام الذوق العام تضمن مخالفات من أبرزها إقامة الحفلات الصاخبة بطرق تتسبب، أو تحتمل أن تتسبب في إزعاج للمجاورين، والعابرين، ووضع عبارات، أو صور غير لائقة على الملابس، والسيارات، والممتلكات، والتعدي على حقوق الآخرين في طابور الانتظار، وفي الحصول على الخدمات، أو الاعتداء على حق المعوقين، وكبار السن، وفي المرافق العامة والخدمات، وتعمد إيذاء الحيوانات الأليفة، أو استخدامها بطريقة عنيفة في الألعاب، والمشاهد، ونحو ذلك، وإعاقة وصول الخدمات الإسعافية وما في حكمها نحو أماكن الحوادث.

قانونيون: إيجاد نظام لحماية «الذوق العام» سيقلل التجاوزات في المواقع العامة

علق مختصون قانونيون على مشروع مجلس الشورى حول عقوبات المخالفين لـ" الذوق العام"، مشيرين إلى أن العادات المجتمعية، وغيرها من الأشياء التي تخص الآداب العامة غالباً ما يكون مفهومها عند الناس غير موحد.

وأشاروا إلى أن جود نظام لحماية الذوق العام سيقلل من التجاوزات التي تحدث في عدد من المواقع العامة، مشددين على أهمية وضع قواعد، ولوائح نظامية موصوفة، ومحددة من حيث نوع، وشكل المخالفة، وعقوبتها.

وأوضحت المحامية بيان زهران، أن مسألة الذوق العام، والعادات المجتمعية، وغيرها من الأشياء التي تخص الآداب العامة غالباً ما يكون مفهومها عند الناس غير موحد، وبالتالي وجود نظام يحكم هذه الأمور أمر في غاية الأهمية.

وأضافت:" خصوصاً إذا كانت التصرفات الخاضعة لأحكام هذا النظام تضر بالغير، وبالتالي لا بد من عقوبات منصوص عليها في ذات النظام تحدد سياق التصرفات الخاطئة، وتحدد عقوباتها بحسب حجم الضرر المترتب على الفعل المخالف".

وقال المحامي فهد محبوب: إنه في حال وجود نظام لحماية الذوق العام سيقلل من التجاوزات التي تحدث في عدد من المواقع العامة، مشيراً إلى أنه يرى أن تكون العقوبات متدرجة وبحسب التجاوزات التي يرتكبها الشخص، أو المجموعة.

ولفت إلى أنه ينبغي أن يتم أخذ تعهد على المخالف في المرة الأولى وبعدها تطبق عقوبة الغرامة المالية، ومن ثم في حال تكرارها تطبق بحقه عقوبة تعزيرية إما بالسجن، أو التشهير بالمخالف، أو بكليهما.

احترام الأماكن العامة حق لكل مرتاديها
تصرفات دخيلة في مكان عام لم تجد عقوبات رادعة
أنس عاشور
فهد المحبوب
فراس حجازي
بيان زهران