الناس حولك إما طاقة إيجابية تضيف إليك، أو طاقة سلبية تأخذ منك..

مشجعون أو مثبطون، متفائلون أو متشائمون، فنحن في النهاية مخلوقات اجتماعية نستقبل ونبعث كافة أنواع المشاعر. نمتص من المحيطين بنا جرعات إيجابية أو سلبية ثم نعيد بثها لغيرنا كرسائل الواتساب.. تأمل حال أي إنسان تعرفه لتكتشف أنه (متوسط) مشاعر وأفكار وطموحات من يجالسهم ويقضي حياته معهم..

هناك أمراض مجهولة السبب (كبعض السرطانات) افترض شخصياً أنها تجسيد لطاقة النكد والسوداوية التي تغلب على مجموعات وعائلات معينة.. ثبت مثلاً أن الصرع والانفصام يكثر في المجتمعات التي تعاني من الازدواجية والعيش بوجهين.. أصبح مؤكداً أن مشاعرنا السلبية تلعب دوراً في مرضنا بدليل ارتباط القرحة والقولون وضغط الدم (القاتل الصامت) بحالات التوتر والقلق الدائمين..

ورغم أن التعاطف شيء جميل ولكنه أيضاً (فجوة) قـد تمتص من خلاله مآسي الآخرين.. يجب أن تضع لنفسك سقفاً أعلى فيما يخص تعاطفك وتفاعلك مع مشاكل الناس.. لست فظاً ولا قاسياً ولكن إن لم تكن قادراً على حل مشاكل الكون (أو على الأقل من يعيشون حولك) لا داعي لأن تخسر نفسك وتضيف للعالم ضحية جديدة..

في السنوات الأولى من زواجي، كانت زوجتي الدكتورة نجاة تعمل في قسم الطوارئ وتخبرني يومياً عن أطفال تعرضوا لـعنف أسري أو تعذيب أبوي أو اعتداء أقربائهم عليهم.. كنا مستائين بالذات من مسألة إعادة الأطفال إلى (أولياء أمورهم) رغم أنهم سبب معاناتهم ودخولهم المستشفى.. وذات يوم طفح الكيل فقلت بنبرة جـادة: لا تخبريني مجدداً بهذه القصص ما لم نتصرف بشكل عملي حيال هذا الموضوع..

ومن يومها توقفت عن إخباري، في حين ندمت أنا على كلمتي فقررت كتابة خطاب بهذا الشأن لسمو الأمير مقرن (أيام توليه إمارة المدينة).. طلب مني إحضار عدد من الأطباء والاستشاريين ليشهدوا أمامه بحالات التعنيف التي رأوها خلال حياتهم المهنية فكان له ما أراد.. ومن خلال هذا الاجتماع أمر بتشكيل لجنة دائمة (وتخصيص خط ساخن في الإمارة) لحماية الأطفال من العنف الأسري قبل ظهور أي لجان رسمية من هذا النوع في المملكة..

وبهذه الطريقة توقفت أنا عن سماع حكايات «تضيق الصدر» وفي نفس الوقت تصرفت بطريقة عملية لم يقم بها استشاريون أمضوا ثلاثين عاماً في مجال الطب..

وأنت بدورك يا عزيزي، لن تكسب غير المزيد من الكآبة وضيقة الصدر ما لم تكن قادراً على المساعدة وتغير الواقع.. إن كنت تحيط نفسك دائماً بأصدقاء لا يملكون غـير الشكوى والتذمر فلن تمتص منهم سوى مشاعر الإحباط والحنق على المجتمع.. كثير الشكوى والتذمر ليس صديقاً مخلصاً بل مصاص مشاعر(على وزن مصاص دماء) يسرق تعاطفك لـيعوض فشله وعجزه عن التصرف.. كل من يجعلك بحالة يأس أو خوف أو حيرة يمتص مشاعرك ويستهلك طاقتك - ومن قال هلك الناس فهو أهلكهم.. تحتاج أحياناً إلى اعتزال الناس وإغلاق الجوال وحذف محطات الأخبار (والامتناع مثلي عن رؤية مقاطع العنف والتعذيب) حتى تستعيد سلامك الداخلي وترى الدنيا بثوب جميل..

.. وبناء على كل ما سبق؛ اختر من الناس المتفائل، والمشجع، ومن يعتقد أن الدنيا بخير.. ابتعد عن الكئيب، والمُـثبط، والمُحبط، ومن يداري فشله بكثرة الشكوى والتذمر..

فـأنت في الحالتين (متوسط) من تجالسهم.. وفي النهاية (محصلة) لما تسمعه منهم.