عرّفَ أرسطو المهارة بأنها تقنيّة؛ تقنية إحداث أمرٍ ما وإجادة صُنعه. من هذه المهارات المهمة، مهارة الإصغاء، وهي مهارة ضرورية وذات حيوية بالغة تدفع بالنقاش والحوار إلى مسافات ود ووعي كبيرين؛ إذ تنعكس إيجاباً على هذا اللقاء وتدفع به قُدُماً، وفي هذا الصدد يقول محام إنجليزي عبارة بليغة تحرّض على روحية الحوار: "من لا يراقب لا يستطيع التحدُّث". هذه العبارة على قصرها فهي تؤكد بوعي لافت أهمية اتقان مهارة الانتباه والاستجابة للآخر، وما يتطلبه هذا الإصغاء من متابعة حثيثة للمنطوق، والتأنّي في الرد والمداخلة مع التفطُّن لإيماءات الضيف المُحَاوَر وفترات صمته وكلماته، حتى يكون اللقاء أكثر غِنىً وثراءً.

لا أحد يجهل أهمية الإعلام المرئي في صياغة المجتمعات وتحضّرها وبلورة قيمها واتجاهاتها وأيديولوجياتها، ولذلك تأخذ البرامج الحوارية موقعاً أثيراً لدى المجتمع الجماهيري الذي ينشد المعرفة والثقافة عبر هذه الحوارات.

ولكن؛ كم من اللقاءات الفكرية والثقافية الفضائية أفسدها غياب فنّ الإصغاء ومهارة الانتباه من قبل الإعلامي المُحاوِر؟

كم هو حجم الخيبة وأنت تجد ذلك المثقف والمفكر الكبير وهو يعيش لحظات شتات وعدم تركيز بفعل مقاطعة غير موفّقة جَبَهَهُ هذا المُحاور في حين كان يهمُّ هذا المثقف بسرد معلومة مهمّة أو فكرة عميقة لكنها تاهت في حضرة اللامبالاة والاستعراض والمظهرية من قبل مُحاوِرِه؟

هذا على مستوى البرامج الثقافية أما بقية الأنواع من الحوارات كالبرامج الرياضية فهي من السطحية والهشاشة ما يجعلك تشعر بالبؤس والخجل من بثّها..؟!

كل هذه المظاهر التي لا ترتقي لذائقة المتلقّي سببها غياب فن الإصغاء، وهو فنّ ومهارة ليست سهلة، وإطلاق الفيلسوف أرسطو عليها بأنها تقنية ومهارة صعبة يعني أنها مهارة تحتاج دُربة وممارسة، ولم يأتِ وصفها بالمهارة جزافاً؛ فهذا عالم النفس الخبير وأستاذ فن الإصغاء إريش فروم يبيّن في كتابه "الإنسان من أجل ذاته: بحث في سيكولوجية الأخلاق" أن شرط الإصغاء إلى الآخر هو الإصغاء إلى الذات، وهو ما يتّسق مع رأي الفيلسوف الألماني بولنوف الذي يرى أنّ "الشرط المسبق الأول للحوار هو القدرة على الإصغاء إلى الآخر، والإصغاء بهذا المدلول يعني أكثر من التقاط الإشارات الصوتية، كذلك أكثر من فهم ما يقوله الآخر؛ إنه يعني أن أدرك أن الآخر يودُّ أن يقول شيئاً مهماً بالنسبة إلي؛ شيئاً علي أن أفكّر فيه".

نخلص من هذا إلى ضرورة إيلاء برامجنا الثقافية هذه المهارة العناية الخليقة بها وعدم تبديد متعة المتلقّي بمقاطعات مربكة للضيف المُحاوَر، ولا غضاضة أبداً أن نتدرّب على الحوار وتقنياته، فهناك أمور كثيرة في الحياة نقوم بها ليس من باب المُتعة بل لأنها ضرورية لأمور أخرى، فقط نتخلّى عن غرورنا المعرفي ونروّض أنواتنا المتعجرفة.