حكى لي الصدیق خ - ع أنه عندما كان في موقع یتیح له أن یساعد الناس، كان هاتفه لا ینقطع من الطلبات والشفاعات ومن الأحادیث والمراسلات، والتحایا والدعوات.. قال: وكان لي جار أراه كل أسبوع في صلاة الجمعة، فكان كثيراً ما يقبل إلي ویلتف حولي مسلماً مكرراً شكره ودعواته، مذكراً ما أسدیته إليه من معروف، وكنت أمتلئ خجلاً واستحیاءً فأنا أكره الإطراء الزائد، والمدح المبالغ فیه.. قال: ومرت الأیام، وقد تحقق لهذا الرجل كثیراً مما أراد مني.. ثم إنني انتقلت من موقعي إلى موقع آخر، وأدرك صاحبي هذا أنني لن أنفعه من موقعي الجدید في شيء، وظللنا نلتقي كل جمعة لكنه بدأ یقابلني ببرود.. ویسلم تسلیما فاترا... ثم فیما بعد صار سلامه تأشیراً بیده ومن بعید... وتتالت الأیام وتعاقبت، فصار إذا رآني یشیح بوجهه عني كأنه لم یرني.. وأحیاناً ربما صلى قریباً مني فلا یلتفت إلي، وربما تقابلنا عند باب الخروج ولیس بیني وبینه إلا نصف خطوة فلا یحییني أو یلتفت إلي حتى كأنني أصبحت عدواً له… والحق أقول لك أن تصرفه هذا أتعبني نفسياً فو الله إن هذا الجحود لیؤلمني، وهذا التصرف العفن لیؤذیني.. فأنا لا أرید شیئاً من أحد..

لا دعاء ولا ثناء.. ولكن أن تصل الأمور إلى المنابذة بهذا الشكل… وأن تصل الأمور إلى سقوط المروءة، والرجولة، والأخلاق إلى هذه الدرجة، فلا شك أن هذا انحطاط شنيع يدل على اللؤم والخسة، وانعدام المروءة، وجفاف وخشونة الوجه من الحیاء، بل إن ذلك مخبثة للنفس الكریمة كما قال عنترة:

نُبّئـتُ عَمْراً غَیْرَ شاكِرِ نِعْمَتِـي

والكُـفْرُ مَخْبَثَـةٌ لِنَفْسِ المُنْعِـمِ

قلت له مهلاً يا صديقي.. فيبدوا أن الأمر قد بلغ منك مبلغاً عظیماً، وحزّ في نفسك حتى أراه یكاد یلسع قلبك ويخدش روحك..

والأمر أهون في نظري من أن یبلغ بك هذا المدى، فأنت لم تفعل الخیر في الاصل كي تطلب من وراءه أجراً أو ومغنماً وإنما عملته لوجه الله ولوجه الخیر.. وهذا حسبك.. والناس لم یخلقهم الله متساوین في النبل والوفاء والشهامة، فمنهم الأوفیاء الذین یهتزون لفعل الخیر والمروءة ويمتلكهم المعروف والإكرام.. ومنهم الأواسط الذین قد یحمدون لفاعل الخیر فضله، ومنهم أناس كأراض سبخاء لاتنبت إلا بالملح والعطش، أو كشجيرات الحنضل القميئة التي لا تثمر إلا بالشر يالمرِ السام… وهؤلاء ربما أنهم يشعرون بمقتك في قرارة أنفسهم لأنك صنعت فيهم جميلاً لا يريدون أن يتذكروه..

وكل يا عزيزي يعود إلى بيئته التي نشأ فيها، وإلى طينته التي نبت منها حتى وإن تصنع أو تقنع واصطبغ بأصباغ الدين والمروءة..

*كُلُّ امْرِئٍ عائدٌ يَوْمًا لِشِيمَتِهِ *

  • وَإِنْ تَخَلَّقَ أَخْلاقًا إِلَى حِينِ*

والكریم یا سیدي إنما یشبه النبع المتدفق تستقي منه جميع الكائنات فيرده الإنسان والطير وترده الأسود والنمور كما تَلِغُ فيه الكلاب والثعالب، غیر أنه یظل متدفقاً يعطي من غير منٍ وأذى.

فانسخ يا صديقي هؤلاء الصغار من ذاكرتك، واحمد الله أن جعلك یداً علیا، تعطي ولا تأخذ، تمنح ولا تستجدي.. ولا تشغلنك مثل هذه الوساوس والهواجس الصغیرة؛ ولا تنس أیضاً قول خالق العباد: (( وَقَلِیلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ )).