يعود وجود إيران في إفريقيا إلى ثمانينات القرن الماضي خلال فترة الحرب الباردة، حيث دخلت إيران إفريقيا من أيسر الأبواب وهو باب الفقر والجوع والعطش، المستشري في دول إفريقيا ساعيةً لنشر الطائفية ومبادئ الثورة الإيرانية في دول مثل السنغال وغامبيا ومالي وسيراليون ونيجيريا وغانا عبر الرشوات الإغاثية والمبادرات الثقافية والاقتصادية والدبلوماسية مقابل سيطرتها على موارد تلك البلاد الغنية بالغاز والنفط والذهب والحديد والنحاس والألماس والفوسفات، كما زار عبر سنوات قادة إيرانيون هذه البلدان الإفريقية من هاشمي رفسنجاني إلى محمد خاتمي ومحمود أحمدي نجاد.

ولطالما كانت هذه البلدان الإفريقية الضعيفة متنفساً لإيران بعد شروعها ببرنامجها النووي وتطبيق العقوبات عليها حيث كانت سوقاً للمنتجات الإيرانية وخاصة النفط الخاضع لعقوبات مشددة، كما مكنت هذه الدول إيران من الوصول إلى المواد الخام التي تحتاجها لبناء مفاعلات نووية كاليورانيوم.

وبعد اندلاع الحرب في ليبيا وسقوط معمر القذافي وجدت إيران لنفوذها السلبي موطئ قدم في البلاد عبر جماعات الإخوان الذين استحوذوا على طرابلس، حيث مكنت ميليشيات مدعومة من قطر وإيران من إعادة فتح سفارتها في طرابلس والانطلاق بحملاتها لضرب ليبيا وضمان تواجد النفوذ الإيراني فيها، الأمر الذي لم يلق تفاعلاً من الشعب الليبي الرافض تماماً لأي حراك ديني أو مذهبي طائفي تطلقه إيران في البلاد مما دفعها لمحاولة شق صفوف الليبيين عبر جماعة الأمازيغ وتحديداً في منطقة "جبل نفوسة" حيث أنفقت إيران مليارات الدولارات لتقريب بعض الأمازيغ إلى الثورة الإيرانية ومحاولة تحويلهم إلى "حزب الله" أو حوثي آخر في ليبيا إلا أن مساعيها لم تنجز شيئاً يذكر مقابل ما أنفقته إيران لهذا الغرض إذ رفض الأمازيغ الانسياق لمخططاتهم كما كانت لهم في تجارب من لحق إيران في اليمن وسورية عبرة.

دحر نفوذ إيران

تحتل المملكة مكانة إسلامية وعربية وعالمية مرموقة كما تحظى بدعم حلفائها وفي مقدّمتهم الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن والذين تجمعهم مع المملكة مصالح ومشتركات كثيرة. وجاءت هذه المكانة من مبدئية مواقف المملكة فيما يتعلق بالسياسات الخارجية فلا يحكي التاريخ عن حادثة واحدة سلكت فيها المملكة مسالك غير قانونية دولياً لتدعيم قدراتها ونفوذها كما تفعل إيران وأنظمة مارقة تربي عصابات هنا وهناك لتكون أوراقاً بيدها تحارب بها من يعرّض وجودها المهلهل للخطر، ومن هنا جاء احترام العالم للمملكة ووقوفه معها في السرّاء والضرّاء. كما أسهم الالتزام السعودي بالقوانين الدولية في الانتشار السعودي الإعلامي والاقتصادي والعلمي في كل دول العالم دون حواجز في حين تغلق كثير من دول العالم الغربي أبوابها وسفاراتها في وجه مواطنين لا ذنب لهم إلا أنظمتهم وسلوكياتها المشبوهة.

واستكمالاً للنهج القانوني قامت المملكة بجهود حثيثة بدأت في عهد الملك سلمان لدحر النفوذ الإيراني وخلايا التطرّف من منطقة الساحل الإفريقي عبر الاشتراك في تحالف مجموعة "الساحل 5" وهي (موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينا فاسو وتشاد) لتصبح المملكة في التحالف أكبر اللاعبين في المنطقة.

وفي حين تعتبر مهمة محاربة داعش أولوية عند دول هذه المجموعة تتطلع المملكة والإمارات للإسهام في ضبط المنطقة وتوازناتها على المدى البعيد لضمان تخليصها من براثن النفوذ الإيراني وميليشياتها المتطرفة التي يكون دخولها دائماً مقدمة لدخول داعش والقاعدة، حيث نجحت المملكة باتخاذ خطوات حكيمة أسست لوجود بعيد المدى في تلك المنطقة من خلال الاستثمارات المفيدة لسكان الساحل الإفريقي في القطاعات الخاصة والعامة وبناء تحالفات مع دول المنطقة لتنتقل مدن أساسية في الساحل الإفريقي من المعسكر الإيراني إلى الولاء الكامل للمملكة وتأييد موقفها في اليمن كموريتانيا وإريتريا والسنغال والصومال وليبيا وتشاد، حيث زار رئيسا السنغال وموريتانيا الرياض في إبريل - 2015 وتطوّعت السنغال وهي من أكثر القوات العسكرية الإفريقية احترافية، بإرسال مئات الجنود للمشاركة في عاصفة الحزم بقيادة المملكة، كما تعتزم الإمارات بناء "مدرسة حربية" في موريتانيا ستكون بمثابة قاعدة عربية كبرى في منطقة الساحل الإفريقي في خطوة أولى من نوعها. وعلى الرغم من أن الغالبية الساحقة من سكان الساحل الإفريقي هم من المذهب السني المالكي إلا أن المملكة لم تلعب على هذا الوتر لإبعاد المنطقة عن النفوذ الإيراني إذ اكتفت المملكة ببعثات العلماء التثقيفية لسكان المنطقة والإسهام ببناء الجوامع لتعزيز رابطة الإسلام المشتركة مع هذه الدول دون التعويل على العامل الطائفي كما تفعل إيران، لتنجح المملكة بنقل عدد من الدول الإفريقية المهمة والغنية بالثروات إلى معسكرها دون إرسال شاب مسلم واحد إلى حرب طائفية يكون وقوداً لها.

وقال أحمد عبدالحكيم حمزة، مقرر اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا لـ"الـرياض": "الدور الإيراني في ليبيا دور تخريبي وهو جزء من المشهد الذي ترسمه إيران للمنطقة، ففي العام 2012 ضبطت شبكات لنشر التشيع في ليبيا كانت قد وجهت دعوات لعدد من الشباب الليبي لزيارة إيران ومنحهم منحاً دراسية للدراسة في الجامعات الإيرانية والتي تهدف أساساً لتجنيد هؤلاء الشبان في مشروعات إيران التدخلية". مضيفاً، "محاولات إيران في ليبيا اصطدمت غالباً بالفشل الذريع نتيجة لعدم وجود قاعدة شعبية لهذا التوجه في ليبيا إضافة لرفض جميع مكونات المجتمع الليبي الثقافية والدينية والاجتماعية للمشروع الإيراني".

ويؤكد، أن الجانب الإيراني لم يترك باباً إلا وحاول طرقه لإثارة النعرات العرقية والمذهبية في ليبيا حيث حاولت إيران في غرب ليبيا وجنوبها من خلال مكونات كالتبو والأمازيغ، كما استفادت إيران من المناخ الخصب الذي مهدته لها بعض القوى الخارجية كقطر وغيرها في ليبيا لتمرير أهدافها السياسية والأمنية المشبوهة.

ويختم حمزة "بدأت تظهر نتائج دور المملكة والإمارات الإيجابي والمتجدد مؤخراً في منطقة الساحل الإفريقي عموماً وليبيا بشكل خاص، حيث أثبت البلدان دورهما المثمر في دعم ومساندة وتكملة الجهود المحلية الليبية والإفريقية لاستعادة الأمن والاستقرار وإنهاء العنف والقضاء على خطر الإرهاب والتطرف والتنظيمات الإرهابية المتطرفة التي تمثل أكبر التهديدات والمخاطر على أمن وسلامة وحياة المدنيين في ليبيا وعموم الساحل الإفريقي.