يصف المؤرخ (هنري أدامز) القوة والسلطة بقوله: «نوع من الأورام ينتهي بقتل مشاعر التعاطف مع الآخرين لدى الضحية». ترى، هل تعرف شخصاً كان لطيفاً وديعاً وتغيرت شخصيته وانقلبت بعد أن جلس على كرسي أو احتل أحد المناصب؟ هل هذا أمر طبيعي أم سلوك لا أخلاقي؟ في مقالة اليوم نناقش قضية ما يسمى بسكرة الكرسي...

«إن للكرسي لسكرة !»، كلمة سمعتها منسوبة إلى أحد علماء المسلمين من قرون خلت، وبغض النظر عن صحة هذه الكلمات من عدمها، فيبدو أن الأبحاث الحديثة تقدم تفسيراً علمياً لسبب اختلاف شخصية الإنسان بعد الجلوس على كرسي المنصب.. فمن ناحية سلوكية، وبعد تجارب ودراسات امتدت لما يقارب العشرين عاماً توصل أستاذ علم النفس (داتشر كيلتنر) من جامعة كاليفورنيا في بيركلي إلى الأشخاص أصحاب السلطات والقوة والذين أجريت عليهم الدراسة تصرفوا وكأنما لديهم إصابات في الدماغ بحيث أصبحوا أكثر اندفاعا وأقل وعياً بالمخاطر وأقل مهارة بشكل كبير في رؤية الأشياء من وجهة نظر الآخرين.

وفي مجلة ذا أتلانتيك عدد يوليو - أغسطس 2017م يناقش (جيري أوسيم) كيف أن القوة والسلطة لها آثارها السلبية ليس فقط على سلوك المدير بل وحتى فيزيائياً على الدماغ البشري، وننتقل إلى جامعة ماكماستر في كندا وعالم الأعصاب (سوكفيندر أوبهي) الذي اكتشف عند مقارنة أدمغة الأشخاص الذين لديهم سلطات بالأشخاص الذين لا يمتلكون سلطات عبر آلية فحص باستخدام التحفيز المغناطيسي (transcranial-magnetic-stimulation machine) وكانت النتيجة أن الأشخاص الذين في موقع القوة والسلطة أصيبوا بضعف في عملية عصبية محددة يطلق عليها «Mirroring» وقد تعني مجازاً الانعكاس أو المطابقة والتي تعد عملية مهمة جداً للتعاطف مع الآخرين وفهم أحاسيسهم ومشاعرهم.

ما العمل وما المطلوب للتعامل مع هذه الحالات؟ كما يقول (روبرت سوتون) في كتابه المدير الجيد..المدير السيئ فإن تقلد الإنسان لمنصب ما سيعني أن من حوله سيبادرون بعمل شيئين: أولا التملق والنفاق، وثانيا إخفاء الأخبار السيئة. ويؤكد سوتون أن المديرين في مثل هذه الحالات بحاجة إلى المستشارين الصادقين الأمناء الذين يستطيعون بصراحة تنبيههم لأي أخطاء أو تجاوزات أو التعامل مع الموظفين.

شخصياً، اعتبر وجود الموظف الصادق الذي لا ينافق كنزاً لا يفرط فيه لدى أي مدير أو أي مؤسسة، وبالمقابل فالموظف اللوام النمام على مؤسسته وزملائه في العمل ورم يجب استئصاله...

وأختم المقالة بسؤالي للسيد (تامييا يوشيؤو) -الذي أسس شركة تامييا الشهيرة للألعاب- عن سر نجاحه في إدارة شركته رغم تقدمه في السن وهو الرئيس التنفيذي للشركة في الثمانينات من العمر، فأجابني إن المرء كلما تقدم في السن أصبحت رأسه يابسة أكثر، وعليه فأهم ما يحرص عليه هو الاستماع باهتمام لآراء الشباب في الشركة وتمكينهم وبذل كل ما يمكن لكي يكون داعماً لهم لا عقبة في طريقهم...