في يوم الثلاثاء 24جمادى الأولى 1427ه فقدت بلادنا أحد روادها الموسوعيين المحققين في تاريخ جزيرة العرب وجغرافيتها وآدابها الشيخ سعد بن عبد الله بن إبراهيم بن جنيدل رحمه الله .. وهو من طراز روادنا الكبار :الشيخ محمد بن عبد الله بن بليهد رحمه الله عميد البلدانيين السعوديين، والشيخ حمد الجاسر رحمه الله علاّمة الجزيرة، والشيخ عبدالله بن خميس حفظه الله علامة اليمامة، والشيخ محمد بن ناصر العبودي حفظه الله عميد الرحالين، والشيخ أبوعبدالرحمن بن عقيل الظاهري حفظه الله وغيرهم في أرجاء البلاد من علمائنا الأفاضل .

كان آخر لقاء جمعني به رحمه الله في منزله بحي السويدي بالرياض بحضور ابنيه إبراهيم وعبد الله قبل أسبوع من رحيله حيث كان يعاني من المرض الذي لازمه أواخر حياته .

ولكنه كان قوي العزم شديد الإرادة يقرأ ويؤلف ويعلم رغم ضعف جسمه وشيخوخته .. وكنت آتي إلى منزله على شعور مني بالتقصير تجاهه لطول الأمد بين زياراتي ومع ذلك كان يبش ويدعو ويسّر لزيارتي رحمه الله بل وزيارة أي محب أو طالب علم، وكأن لسان حاله يقول الكثير الكثير من أرباب العلم والأدب والمؤسسات قد قصروا تجاهه.. ومع ذلك تراه يثني على هذا العالم أو ذاك .

وقد سمعته مراراً يكرر الثناء والعرفان لمعالي الدكتور عبد العزيز الخويطر على وفائه معه وسؤاله عنه وزيارته له.. وواقع الحال أن جميع من عرف الشيخ ابن جنيدل أو قرأ مؤلفاته لابد أن يدعو له ويقدره، ودولتنا ورجالها يجلّون الشيخ ويقدرونه.

وقبل أيام من رحيله سافر بالطائرة إلى الطائف لقضاء الصيف بعيدا عن شدة الحر،ولكن مرضه زاد مع عبء السفر وارتفاع الضغط فتوفي رحمه الله ونقل إلى مكة المكرمة.

وأديت الصلاة عليه في الحرم المكي عصر يوم الأربعاء 25جمادى الأولى 1427ه عن عمر يناهز الرابعة والثمانين رحمه الله وغفر له .

٭ مولده وتعليمه ونشأته:

ولد الشيخ سعد في بلدة الشعراء بعالية نجد سنة 1343ه .

ومصطلح (عالية نجد) يشمل إمارات تابعة لمنطقة الرياض وهي الدوادمي والقويعية والخاصرة ووادي الدواسر، وكل ما يتبع هذه الإمارات من البلدان والقرى ومياه البادية وبلادها، وتشمل مواقع تابعة لمنطقة مكة المكرمة ومنطقة المدينة المنورة،والبلدان والقرى الواقعة في عرض شمام والسر.

تلقى الشيخ سعد تعليمه الأولي في بلدته الشعراء، واستفاد من مجلس والده لأنه كان من وجهاء الشعراء ولديه مكتبة، وعنده حرص على جمع الأخبار وروايتها، فكان لذلك أثره على الشيخ سعد في تكوين اهتماماته الأولى نحو التاريخ والتراث والبلدانيات.. ثم واصل قراءته وتعلمه في الدوادمي التي انتقل إليها والده بعد أفول نجم الشعراء بسبب تحول طريق السيارات من نجد إلى الحجاز عبر الدوادمي .

وقد حصل الشيخ سعد على بكالوريوس الآداب من قسم التاريخ بجامعة الملك سعود بالرياض،وعلى دبلوم عالٍ من كلية التربية. ثم عمل في مجال التعليم والإشراف بإدارة التعليم،ثم موجهاً تربوياً في المعاهد العلمية بجامعة الإمام، وفي كل هذه السنين كان يقضي نهاره في عمله الرسمي وباقي وقته في العلم والمطالعة والرحلات الميدانية، وخاصة أن عمله التربوي الإشرافي يحتاج إلى العمل الميداني في مناطق المملكة الأمر الذي ساعده في انجاز أعماله البحثية الميدانية .

٭ سيرة والده:

وقد تحدث الشيخ سعد عن والده عبد الله في كتابه عالية نجد،كما ذكره الدكتور محمد الشويعر في كتابه (شقراء مدينة وتاريخ).. حيث نجد أن لوالده مكانة كبيرة في مدن شقراء والشعراء والدوادمي، حيث ولد بشقراء في حدود عام 1280ه أي في أواخر عهد الإمام فيصل بن تركي رحمه الله .

يقول الشيخ سعد عن والده :

(ولد في بلدة شقراء كبرى بلدان الوشم، وشب فيها وتعلم القراءة والكتابة، في كتاتيبها فأدرك وأجاد القراءة والكتابة صغيرا، وقد نشأ نشأة الفقير الكادح، وعمل في التجارة صغيرا،وكان الشيخ علي بن عيسى قاضي بلاد الوشم هو وأخوه يعملان في التجارة، ولهم تجارة واسعة، فرأى الشيخ فيه ما أعجبه ودعاه إليه وجعله يعمل في التجارة مقابل ثلاثة ريالات فرانسة في الشهر - وكان هذا الأجر يعتبر أجرا لا بأس به في ذلك الوقت - وبعد أن سافر مرتين وجرب وشاهد ما يدره العمل التجاري من الربح - وكانت أسفاره للبادية - تخلى عن العمل لهم بالأجر، وأعطوه البضاعة بطريق المضاربة ثم أخذ يوسع تجارته ونمت في يده، وكانت بلدة الشعراء في ذلك العهد تمثل سوقا تجارية هامة للبوادي، يرتادها التجار من كل صوب فاستقر فيها عام 1318ه ، قبل أن يفتح الملك عبد العزيز آل سعود الرياض بسنة واحدة فأثرى فيها واتسعت تجارته مع البادية ومع بعض البلدان .

وكانت علاقته بالشيخ علي بن عيسى في شقراء ذات أثر في تهذيبه وشحذ مواهبه العقلية وأصبح محبا للعلماء مجلا لهم مقدرا لرجال الأدب ميالا إلى مجالستهم، عاش على ذلك طيلة حياته حتى توفي .

كان ذكيا حافظا متكلما،له عناية كبيرة بأخبار العرب وأشعارهم، وله معرفة واطلاع في تاريخ القبائل وأخبار رجالها، وله خبرة واسعة في تحديد المواضع في نجد وسكانها من القبائل،يحفظ الكثير من الشعر الشعبي، يرتاده الكثيرون للأخذ عنه وممن استفادوا منه كثيرا محمد بن بليهد في كتابه (صحيح الأخبار).

عاش متمتعا بقواه العقلية كاملة وببصره وسمعه، يقص الأخبار ويتصدى للحديث في مجلسه إلى أن توفى في 9 رجب عام 1390ه في مدينة الدوادمي عن عمر نيف على مائة وعشر سنوات . خلف عددا من أبناء الأبناء وأبنائهم.

وخلف مكتبة جعلها وقفا على طلبة العلم من ذريته وغيرهم،

ورغم أنها لا تحتوي على كتب كثيرة فإنها قد أفادته في حياته، واستفاد منها غيره).

٭ في صحبة الشيخ حمد الجاسر:

جمعت الصحبة بين العلمين منذ مدة قديمة، ونفذا رحلاتهما البلدانية على حساب الدولة في مسح المناطق جغرافياً وتاريخياً، وقد استفاد ابن جنيدل من منهج الجاسر وريادته،حيث اشترك معه في مشروع (المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية) فكان من حصته كتاب (عالية نجد) وقد أكمله في ثلاثة أجزاء تقع 1390 صفحة.

قال الشيخ حمد الجاسر عن الجنيدل:

(عرفت الأستاذ أبا عبد الله بن جنيدل حق المعرفة،فقد جمعتني الصحبة به فترة في التنقل في وسط الجزيرة وغربها،وجنوبها وشرقها....

....وعرفته وخالطته مرارا، فقد كان يكرمني بدعوتي إلى بيته، ويطلعني على بعض أعماله، فأستفيد من علمه،وأدبه، وأستمتع بما يتحدث به مما يحفظ من أخبار وأشعار، وخاصة ما كان يتعلق بسكان البادية، فقد كان وثيق الصلة بهم، كثير المخالطة لبعض مشاهيرهم.....

.....وكنت أعجب بكثرة محفوظه، وبحضور بديهته، وبتفريقه بين لهجات أبناء البادية.....

....وأقولها كلمة حق بأنني بطول الترافق في الأسفار،وكثرة الاجتماع به، لم أر منه مرة من المرات ما أحس،مما يكدر صفو ما بيننا من الوداد والتوافق والصداقة،أويحدث أقل تأثير في النفس من الأمور التي - كثيرا- ما تحدث بين الإخوة المتصافين،حتى في الحالات التي قد ينشأ الخلاف فيها،في موضوع ذي صلة بما كنا مترافقين للبحث فيه،فلم يكن ممن يحاول ما استطاع البروز بوجاهة رأيه،ولكنه يعرضه في الفرصة المناسبة، بالطريقة التي تهيئ له الموقع الحسن في النفوس فتقبله....)

وقال الشيخ الجاسر في موضع آخر:

(ومؤلف كتاب (عالية نجد) الأستاذ سعد بن عبد الله الجنيدل من أوسع باحثي هذا العصر معرفة بأحوال البلاد التي تحدث عنها بكتابه هذا، فهو من أهلها من بلدة الشعراء في وسط تلك البلاد التي عاش فيها مشتغلاً بين ربوعها منذ نشأ،ثم عمل موظفاً في التعليم والإدارة والتفتيش، فاكتسب خبرة واطلاعاً واسعاً بحكم تردده على مدارس هذه البلاد زمناً طويلاً.

يضاف إلى ذلك سعة إطلاعه على المؤلفات القديمة ومحاولة تطبيق نصوصها على مشاهداته، بحيث حقق قدراً كبيراً من المواضع الواردة في الأخبار والأشعار القديمة تحقيقاً ييسر لدارس الأدب والتاريخ فهم كثير من النصوص القديمة المتعلقة بكثير من المواضع).

وقد أحسن مركز حمد الجاسر الثقافي صنعا حينما كان وفيا للعلاقة الحميمة بين الشيخين فأعاد طبع كتاب (معجم الأماكن الواردة في المعلقات العشر) للجنيدل بمقدمة وفائية كريمة من الأستاذ معن بن حمد الجاسر الأمين العام لمؤسسة حمد الجاسر الخيرية.

٭ مؤلفاته:

للشيخ سعد رحمه الله مؤلفات جليلة في المجالات التاريخية والبلدانية والتراثية والدينية.وكان يسأل الله دائما أن لا تدركه المنية حتى يتم نشرها .. وقد حقق الله جل ثناؤه ما كان ينويه شيخنا رحمه الله ومن أبرز مؤلفاته :

٭ (عالية نجد) :المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية، 3 أجزاء

٭ (بلاد الجوف أو دومة الجندل) منشورات دار اليمامة1401ه .

٭ (من أعلام الأدب الشعبي) 1401ه ..

٭ حقق ديوان هويشل الهويشل، وسمى الديوان (بين الغزل والهزل) إصدار الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون1400ه . .

٭ (خواطر ونوادر تراثية - نصوص تاريخية وجغرافية واجتماعية).

٭ (الساني والسانية).

٭ (أصول التربية الإسلامية)الرياض، دار العلوم،عام1401ه ..

٭ (معجم الأمكنة الوارد ذكرها في القرآن الكريم)، الرياض عام 1423 ه .

٭ (معجم الأمكنة الوارد ذكرها في صحيح البخاري، دارة الملك عبد العزيز، الرياض 1419ه .

٭ (معجم الأماكن الواردة في المعلقات العشر) ، الرياض عام 1425ه .

٭ (بلاد العرب في المعاجم القديمة وبحوث المتأخرين) ، الرياض عام 1425ه .

٭ (معجم التراث) 8 أجزاء. سلسلة بدأت في 1417ه .

٭ له مؤلفات أخرى مخطوطة قيد النشر.

٭ نشر مقالات وبحوث كثيرة في مجلة العرب ومجلة الدرعية والصحف المحلية وخاصة صحيفة الرياض.

٭ يمتلك متحفاً تراثياً قيماً ومكتبة نادرة في منزله العامر بمدينة الرياض.

٭ مع دارة الملك عبد العزيز:

لدارة الملك عبد العزيز بتوجيه من رئيس مجلس إدارتها سمو الأمير سلمان بن عبد العزيز، وجهود أمينها العام الزميل الدكتور فهد السماري اهتمام كبير برواد الفكر والعلم في أرجاء البلاد نشرا وتوثيقا وتكريما.

وقد شرفتني الدارة قبل عشر سنوات بإجراء حوار موسع مع الشيخ سعد بصحبة عدد من الزملاء في الدارة، واجرينا بالفعل لقاء مسجلا في منزله رحمه الله مساء يوم الاثنين 6/8/1417ه تضمن توثيقا لمسيرة الشيخ وحياته، وذكريات عن زيارات الملك عبد العزيز رحمه الله للشعراء والدوادمي في ذهابه وإيابه بين نجد والحجاز، وعن رحلاته البلدانية مع الشيخ حمد الجاسر، وعن محتويات متحفه التراثي القيم الذي لم يكن ابن جنيدل مجرد جامع لمحتوياته، وإنما كان على علم بتاريخ ومدلولات هذه المقتنيات الاثرية النادرة .. وقد شرح الشيخ سعد كثيرا من محتويات متحفه للأجيال عبر سلسلة معجم التراث الذي قامت الدارة مشكورة بنشر بعض أجزاءه.

وكان الشيخ رحمه الله يثني على جهود الدارة وعلى تعاون منسوبيها معه واحتفائهم به، وإنني هنا التمس من أخي الدكتور السماري ومساعده الدكتور ناصر الجهيمي أن يسعيا إلى نشر هذا اللقاء المسجل الذي اجري مع الشيخ الجنيدل إتماما لاهتمام الدارة الكريم وتعاونها معه رحمه الله.

٭ ذريته:

أمد الله في عمر شيخنا رحمه الله وأكرمه بأن يصلى عليه في الحرم المكي الشريف ويدفن في خير بقاع الدنيا مكة المكرمة.

وله بحمد الله أبناء بررة صالحون هم محمد وم.إبراهيم وعبد الله ود.عمر وم.عبد الحميد وعبد الرزاق وعبد الرؤوف وعدد من البنات والزوجات والأشقاء والشقيقات . اللهم ارحم شيخنا واجمعنا به في دار كرامته بمنه وعفوه ورضوانه.

  • أستاذ التاريخ بجامعة الإمام ومدير تحرير مجلة الدرعية.