بدأ الملالي قبل 39 عاما عهدهم في الحكم بإيران باستعراضات درامية كان أولها اقتحام السفارة الأميركية في طهران ولم يكن آخرها مناوشة إسرائيل من الأراضي السورية وما بين الحادثتين آلاف الوعود النارية ومئات الحوادث التي استخدمت فيها إيران العداء للغرب وإسرائيل كأساس تبني عليه شعبيتها، وما بين ال1979 والـ2018 لا أميركا "ماتت" بباليستي إيران ولا إسرائيل اختفت بخطابات نصر الله النارية.

قبل شهر قال وزير الخارجية، عادل الجبير، إن على إيران أن تختار بين أن تكون دولة تتقيد بالقوانين الدولية وبين أن تكون ثورة وعندها يمكننا التعامل مع ذلك.

بالنظر لسلوك النظام الإيراني منذ أربعة عقود من الزمن نجد أن إيران لا تتصرف إلا على أساس أنها "ثورة"، إذا فقدت ما يحفزها فإن النظام الإيراني برمته يموت ويندثر فمنذ وصول الخميني لإيران لم تتوقف عداوات النظام الإيراني عن التوسع فكان ما أبقى على شعلة "الثورة" متقدة في السنة الأولى لحكم الملالي الإعدامات الجماعية للمئات من المدنيين في كل مرة في كبرى ساحات إيران إضافة إلى تطهير الجيش والمؤسسات المدنية من أتباع نظام الشاه الأمر الذي كان يشبع دموية أتباع الملالي كما كان لميليشيات إيران في الخارج دور في إذكاء هذه العداوات من خلال عمليات "حزب الله" في الثمانينات ضد المصالح الغربية في لبنان وغيرها وصولاً إلى الحادثة التي تاجر بها النظام الإيراني لسنوات وهي حادثة اقتحام السفارة الأميركية واحتجاز 25 رهينة فيها لمدة 444 يوما.

ما أن هدأت أزمة احتجاز الأسرى الأميركيين وتم تهريب معظمهم دون تعرّضهم للأذى، التفتت طهران للمناوشات مع صدام حسين لتشتعل حرباً جديدة في المنطقة راح ضحيتها مليون إيراني وعراقي، فكانت حرب صدام بمثابة هدية لطهران لتذكي أيديولوجيتها الفارغة والتي تحتاج باستمرار لأعداء جدد لتبث الحياة في قاعدتها الشعبية إلا أن حرب صدّام مع إيران سجلت حادثة تاريخية مهمة ونقطة تحوّل كبرى أكدت على عدم مبدئية إيران في بناء تحالفاتها وعداواتها.

الخميني وإسرائيل؟

حين وصل الخميني إلى الحكم في إيران لم يكن العداء لأسرائيل في قاموس أولوياته فقام بحل كافة أجهزة الدولة الإيرانية المرتبطة بنظام الشاه السابق إلا أنه قرر ألا يمس جهاز الشرطة السرية أو الاستخبارات الإيرانية (السافاك) والتي كانت ترتبط بشكل كبير بالموساد الإسرائيلي الذي درّب عدد من عناصر السافاك في عصر الشاه واكتفى الخميني بتغيير اسم الجهاز إلى "سافاما".

كانت بداية عصر الخميني استكمال لعصر الشاه من ناحية العلاقة مع إسرائيل حيث كانت إيران صديقة لإسرائيل وكان المجتمع اليهودي الذي وصل تعداده إلى "مئة ألف" في إيران يقرب بين البلدين بشكل كبير، وفي العام 1980 وقعت أول حادثة علم العالم بعدها بوجود تنسيق عسكري بين النظام الإيراني حديث العهد وإسرائيل ففي العام 1981 تحطمت طائرة إسرائيلية على الحدود التركية-السوفييتية كانت تحمل أسلحة أميركية من إسرائيل لإيران واعترف وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك أرييل شارون في العام 1982 بأن اسرائيل تقدم معدات عسكرية لحكومة الخميني.

وحين قامت الحرب الايرانية-العراقية قرر المجتمع الاستخباراتي الاسرائيلي تقديم كامل الدعم لإيران بالعلن لأن صدام شارك في معظم الحروب ضد إسرائيل ولأن إسرائيل ترى في أصولية الخميني المذهبية خطر "من الجيد" الاستثمار فيه ضد العرب.

أما ما بعد الحرب الإيرانية-العراقية ففجع نظام الملالي بوفاة الخميني وكان في حالة إفلاس إيديولوجي وحينها فقط تم رسمياً اعتماد أيديولوجية "العداء لإسرائيل" كأداة جديدة بيد النظام.

ذعر من ترامب

لأول مرة منذ ثماني سنوات بدأت تظهر في ايران أصوات تدعو للتعقل خوفاً من غموض ترامب وخطواته غير المتوقعة فما ذاقته ميليشيات إيران في الأشهر الأخيرة من عقوبات وضربات في سورية لم تجربه منذ زمن بعيد وجاء هذا مصحوباً مع احتجاجات وغضب شعبي كبير في شوارع إيران فصرنا نسمع روحاني يخرج ويقول لصناع القرار في إيران "سيكون مصيرنا نفس مصير الشاه إن لم نتعظ".

ويبدو روحاني وبعض دعاة الخط المعتدل في النظام اليوم عاجزين وقلقين في نفس الوقت من استمرار النظام بسلوكه في ظل تغير الظروف الدولية بشكل كبير حيث يدرك هؤلاء أن الفاتورة الإيرانية أصبحت باهظة جداً وأن الرد سيكون قاسيا لتغرق إيران بالمزيد من المشكلات والعزلة الاقتصادية التي ستغضب الشعب بشكل أكبر أما إذا اختارت إيران الانكفاء والتخلي عن مغامراتها فإن هذا من شأنه أن يعرّي إيران أمام عشرات الآلاف من الشباب العرب والإيرانيين والأفغان الذين ماتوا في حروبها.