اشتهر في أربعينيات القرن الماضي ملصق دعائي أميركي، ظهرت فيه الشابة حينها (ناومي باركر فرايلي)، بعبارة "نستطيع فعلها"، لحث المرأة على دخول مجالات العمل الخشن، المهيمن عليه بالكامل من قبل الرجل، وحيث كانت المرأة حينها تعامل ببخس في القدر والأجر وبعدٍ عن المناصب.

توفيت فرايلي قبل عدة أيام، وهي من مواليد مدينة تولسا أوكلاهوما 1921م، وكانت قد عينت حينها في عمل ميكانيكي بورشة طائرات القوات البحرية خلال الحرب العالمية الثانية، عقب هجوم القوات الجوية اليابانية على مرفأ (بيرل هاربور)، وتم التقاط الصورة لها في زي العمل، بقطعة قماش حمراء على رأسها، مظهرة قوة ذراعها، لتصبح رمزاً لبداية عصر جديد من مشاركة ومنافسة النساء للرجال في العمل.

وخرجت بعدها المرأة الأميركية للعمل بشتى أنواعه، ونافست الرجل في مختلف المجالات، وحصلت من خلال الجمعيات والنقابات النسائية على الصوت والدعم والأجور الموازية للرجل، وبلغت ما لم تكن تحلم به في مجتمع ذكوري جبار لا يرحم.

وباستمرار المطالبات النسائية حصلت المرأة على قوانين منع التحرش الجنسي وتجريم الاغتصاب وتحريم عنصرية التقليل من قيمتها ككائن بشري مستقل، مما ساعدها على شق الطريق نحو التميز والمنافسة وبلوغ المناصب العليا في السياسة.

مرحلة تطور وتقدم أعقبها تمادٍ غير عقلاني الطموح في مطالبة المرأة بالتخلي عن مظهرها وأنوثتها وأمومتها وملبسها وحديثها وقصات شعرها وأحذيتها العالية وعدم استعمال المكياج والعطور، مما أصاب روح المرأة بخيبات وقهر وشعور بعدم التوازن الطبيعي وإجبارها على كل ما يفعله الرجل دون تمييز أو مراعاة للاختلافات البيولوجية والبدنية والنفسية لتصبح صورة مزيفة لواقع الرجل.

وفي الفترة الحالية عادت مراكب الأنوثة لنداء الطبيعة، فظهر مفهوم "نسوية ما بعد الحداثة" بفلسفة أن المرأة تختلف عن الرجل في كثير من الخصائص البيولوجية والنفسية، وأن في ذلك تمييزاً حقيقياً لها، لا ينتقص من شأنها، ولا من حقها في الحصول على مكانتها دون ذبح لأنوثتها.

منعرج جديد وتبدل واضح في نوعية وأهداف المنظمات النسائية تعيد مشاعر المرأة لخصوصيتها الطبيعية، وترتقي بها للمناداة بحقوق الطفولة وضعفاء العالم، وتحسين ظروف الشعوب المقهورة، ومنح جميع سكان الأرض فرصة تحصيل اللقمة والعلم والتمتع بالحرية والسلام والبيئة السليمة.

والمرأة السعودية تقدمت بخطى واثقة في مشاركة الرجل فيما يفعله، ولكن العبرة التاريخية موجودة لها لتعتبر، فالمطالبة بالحقوق النسائية مطلب عظيم في حدود ما يكفله لهن العمل الشريف، والقيمة والنفسية المتناسبة مع تأكيد التركيبة النفسية والبيولوجية الجسدية في العمل وفي مختلف المقاصد الإنسانية، حتى لا تكرر نفس الأخطاء، التي كادت أن تحول المرأة الأميركية إلى رجل آخر بنفس الباطن والظاهر والمعطيات.