لا أحد ينكر أهمية العمل التطوعي وأثره الفاعل في تعزيز كثيرٍ من القيم النبيلة في المجتمع، وهو رافدٌ مهمٌ مكملٌ للجهد الرسمي ومعضدٌ له. إن ما يميز الأعمال التطوعية عن سائر الأعمال المجتمعية الأخرى أنها ذات استقلاليةٍ تنبع من قناعة الفرد نحو خلق روح المساعدة والأخوة والترابط والتلاحم والتكاتف بين أبناء المجتمع؛ وهذا ما أكدته رؤية 2030 في تأصيل جانبٍ مهمٍ من جوانب التطور المجتمعي وهو العمل التطوعي ورفع عدد المتطوعين من أحد عشر ألف متطوعٍ إلى مليون متطوعٍ قبل نهاية عام 2030، مما يؤكد أهمية العمل التطوعي وأثره في جميع مناحي الحياة.

ولا يختلف العمل التطوعي - من حيث المفهوم - من قطاعٍ لآخر سوى في أسلوبه وتقنياته وآلياته، ففي مجال الصحة، يمثل تطوع العاملين في المجال الصحي وتقديم خدمات صحية احتياجاً فعلياً للمجتمع قائماً على تنمية القدرات وصقلها بالتدريب والتأهيل وتقديم توعيةٍ صحيةٍ لتحرير مفهوم التطوع والانتقال به من الفكر التقليدي القائم على تقديم الهدايا والمعونات إلى مفهومٍ عصريٍ حديثٍ يتماس مع الحاجة الفعلية لمتلقي الخدمة.

ومن واقع تجربتي الشخصية في مجال العمل التطوعي؛ من خلال تنسيقي لمبادرتي (أمي ممرضتي) و(صحتك تهمنا وين ما تكون) تيقنت أن العمل التطوعي لا يحتاج إلى دعمٍ أو إذنٍ أو منصبٍ بقدر حاجته إلى فكرٍ نيرٍ ورؤيةٍ ثاقبةٍ قادرة على تحديد الاحتياج الفعلي للخدمة المزمع تقديمها والفئة المستهدفة والهدف والأساليب إضافةً إلى روحٍ محبة للتطوع تطمح لخدمة المجتمع دونما مقابلٍ ترتجيه نظير عملها، وهذا ما وجدته لدى المتطوعين والمتطوعات الذين شاركوني هذه المبادرات، فقد نذروا أنفسهم لهذا العمل النبيل فمنهم من رفض ذكر اسمه وتسجيله ضمن قائمة المتطوعين مؤكداً أنه لايبتغي غير الأجر والمثوبة من عند الله ثم خدمة هذه الفئة، ومنهم من تمنى أن تمتد المبادرة لفترةٍ أطول لما لمسه من احتياجٍ حقيقيٍ ولد في داخله شعوراً بالمسؤولية، وفوق ذلك منهم من كان مريضًا ولَم يمنعه مرضه من المشاركة حيث تشرفت بمشاركة أحد مرضى الفشل الكلوي في مبادرة (صحتك تهمنا وين ما تكون)، فضلاً عن مشاركة المدير الطبي في المستشفى الذي أعمل فيه ومشاركة أحد عمال النظافة؛ مما يؤكد أن التطوع لا شروط له أو فوارق إنما هو عطاءٌ وحبٌ ونصيحة.