عندما اشتريت منزلا في القاهرة، قبل ثلاثين عاما، كان همي أو هدفي، التخلص من السكن في الفنادق والشقق المفروشة، والهدف الثاني، كان البحث عن الخصوصية، وقد تحقق لي ذلك، وإن كان ثمن الشقة، بمقاييس ذلك الوقت عاليا، لكن مع الوقت اكتشفت الفرق، عندما أصبح السكن في الفنادق مرهقا، فقد أصبحت أسعار السكن تتصاعد مع الوقت، وقد وجدت أنني من المحظوظين، عندما اكتشفت أن بجواري، كل ما يطمح له السائح الخليجي، وأبرزها القرب من الفنادق والمسارح ودور السينما والأسواق، وقبل ذلك كله شارع جامعة الدول العربية، إلا بالحركة، ليلا ونهارا، وفوق ذلك، اكتشفت أن شقتي الصغيرة تشرف على منزل فريد شوقي، الذي يسبق اسمه دائما، لقب وحش الشاشة العربية! وقد كنت ومازلت كلما قدمت إلى القاهرة اجلس في بلكونتي حيث أشرف من هناك، على فيلا فريد شوقي الغاصة بالأشجار، التي لم أرها ولا مرة واحدة مقلمة، ما جعلني أضيفه باطمئنان إلى صديقي المغرم بالأشجار الوحشية، كان يؤمن أيمانا صادقا بأن أكبر اعتداء يوجه للشجرة هو المتمثل في تقليمها والعناية بها، فالشجرة بالنسبة له كائن راشد يحسن العناية بنفسه!

كنت أرقبه كل مساء وهو يتجه من مدخل بيته إلى الجراج، ليركب سيارته المرسيدس العتيقة متجها إلى المسرح لأداء دوره في مسرحية شارع محمد علي التي أخذت شهرة واسعة واستمر عرضها لعدة شهور، ورأيت مرة أخرى وهو يخرج من منزله في تلك اللحظة تقدم بعض أبنائي للسلام عليه، راقب ذلك من بلكونتي، كان الرجل ودودا، فيه أبوة وحنان، ترفع عنه بدون تردد لقب الوحش، وقد قال أبنائي عند عودتهم إنه عرض عليهم توصيلهم للمكان الذي سوف يذهبون إليه، كانت لفتة لطيفة، من فنان في قامته! وإن كان الوحش عند أهل مصر، عندما يلقب به فنان، إلى القدرة، على تقمص، كافة الأدوار التي تسند إليه!

وفي عديد من الأمسيات يشهد منزل فريد شوقي، زيارات لأسماء لامعة، من الفنانين والفنانات، وقد راودتني النفس أكثر من مرة للذهاب إليه لأعبر له عن أوقات سعيدة عشتها مع أعماله في المسرح والسينما، خاصة تلك التي تجمعه مع زميله اللدود محمود المليجي، أو مع زوجته صاحبة الصوت الشجي هدى سلطان، لكنني جبنت، فلم يسبق لي أن عبرت لفنان أو فنانة عن إعجابي، مع أنني عندما جاورته كنت شابا مقبلا بحماس على كافة الفنون، المسرح والسينما والفنون التشكيلية والموسيقى، إضافة إلى القصص والروايات.. قاتل الله الخجل!

عندما مات فريد شوقي، ضج شارعنا الصغير بالمعزين، أناس من كافة طبقات المجتمع وفدت لتقديم العزاء، لأسرة الفنان الراحل الذي ترك بصمة لا تنكر في مسيرة السينما، وهو من الفنانين القلائل الذي لم يلوث اسمه في صراعات الساحة الفنية، بل إنه كان راعيا وداعما لعديد من المبادرات، التي تهدف لرفعة كافة الفنون! وعند حلول سنوية رحيله، حضر أحبابه وتلاميذه لمنزله، بعد ذلك حل الظلام، نادرا ما يدخل أحد أو يخرج أحد من منزل وحش الشاشة العربية! حتى الشجر الوحشي، النابض بالقوة والعنفوان، تهدل، وبدأت تزوره الشيخوخة على مهل!