«الجنادرية» بالإضافة إلى تقديم الفنون الشعبية قادر أن يتحول إلى «مختبر» للتاريخ الوطني، وأقصد هنا أن يصبح «الجنادرية» فضاءً مفتوحاً لعيش التاريخ وتسليط الضوء على مفاصل حضارية كان للجزيرة العربية دور بارز فيها..

الثقل الحضاري الذي تمثله المملكة، يستحق أكثر من مهرجان، و»الجنادرية» رغم أنه أصبح علامة ثقافية عالقة في أذهان الناس وجزءا مهما من برنامجهم الثقافي السنوي إلا أنه يستطيع تقديم بعد ثقافي وتاريخي آخر لم يتم التركيز عليه بالشكل الكافي، لا شك أن المهرجان أصبح جاذبا لكل فئات المجتمع، وهو الآن أشبه بالسوق الثقافي الكبير الذي يقدم التراث الشعبي السعودي والخليجي حتى أن المسؤول عن مدينة هافانا (العاصمة الكوبية) التاريخية، البرفيسور «ليال» قال منبهرا قبل عدة سنوات وكنت برفقته «إن هذا المكان فرصة لبث رسالة حضارية عن بلادكم». لا أنكر أبدا أنني مازلت أفكر في الرسالة التي يجب أن يقدمها المهرجان ولم يقدمها حتى الآن بعد مرور 32 عاما على بدايته. جاذبية الجنادرية يجب ألا تكون ترفيهية فقط، ولعل هذا الذي قصده «ليال».

لا أنكر أبدا أن مهرجان الجنادرية هو منصة كبيرة لبث رسائل وطنية ملحة، فهذا العام تظهر مناصرة الفتاة السعودية من خلال ظهورها المبهر في حفل الافتتاح الذي شرفه خادم الحرمين - يحفظه الله - واستلام د. خيرية السقاف جائزة التكريم بنفسها. رسائل اللحمة الوطنية التي ظل المهرجان يقدمها عبر تاريخه لا يمكن تجاهلها ولكن أعتقد أن لدينا الكثير الذي يفترض أن يعرفه العالم عنا ليس بواقعنا اليوم بل من خلال المنعطفات التاريخية والحضارية التي مرت بنا ويمكن لمهرجان الجنادرية أن يقدمها. هذه المنعطفات المهمة التي جعلت من أرض الجزيرة ملتقى للحضارات الإنسانية لم تكن صدفة، بل تشكل البدايات المهمة لقراءة التاريخ الإنساني. غالبا التاريخ يسجل الحضارات التي قامت ونمت وتطورت ويهمل كيف قامت وتشكلت تلك الحضارات ومن أين بدأت وكيف امتدت واستقرت، ويبدو أن الجزيرة العربية شكلت عبر التاريخ ممرا أساسيا للحضارات الانسانية المبكرة. نظرتي لمهرجان الجنادرية تتعدى النظرة «الفلكلورية» المباشرة، رغم أهمية الفلكلور الذي أدعو أن يؤسس متحف وطني له، على غرار المتحف الوطني للفنون الشعبية في «سانتا فيه» في ولاية نيومكسيكو الأمريكية.

«الجنادرية» بالإضافة إلى تقديم الفنون الشعبية قادر أن يتحول إلى «مختبر» للتاريخ الوطني، وأقصد هنا أن يصبح «الجنادرية» فضاءً مفتوحا لعيش التاريخ وتسليط الضوء على مفاصل حضارية كان للجزيرة العربية دور بارز فيها. ولعل السؤال هو: لماذا يجب على الجنادرية القيام بهذا الدور؟ الحقيقة أنه يدور في ذهني عدة أفكار لعل أهمها هو بناء أواصر عميقة بين الناس وبلادهم. هذه الاواصر لابد أن تستمد من جذور حضارية لتتحول إلى «بطاقة هوية» نقدمها للآخر عند الحاجة، والفكرة الثانية هي بناء الصورة الذهنية للهوية الوطنية بشكل مختلف عن كوننا دولة نفطية محدثة النعمة بل كوننا رقما إنسانيا وحضاريا مهما ساهم عبر التاريخ في تحديد مسار الحضارات الانسانية. «الجنادرية» يمكن أن يكون هو المختبر الكبير الذي تتشكل فيه هذه الصور.

أحد التساؤلات التي أسألها نفسي كل عام: ما الجديد الذي سأراه في الجنادرية هذا العام؟ التكرار لا يتواءم مع الأفق الحضاري المفتوح، وحتى نعبر عمليا عن امتلاكنا لحضارة مبدعة ومتجددة يفترض أن الجنادرية يعكس هذا التجدد. لذلك ربط المهرجان بالفلكور فقط يعني تحديد أفقه العام وتحويله إلى مجرد تجمع ترفيهي دون رسالة حضارية واضحة. إحدى الافكار التي شاهدتها في العديد من المهرجانات هو إقامة سوق للحرف المعاصرة، وأقصد ما ينتجه الحرفيون من اعمال فنية ذات امتداد ثقافي وتاريخي ويكون هناك سوق في الجنادرية للحرف السعودية التي تعبر عن التنوع الثقافي لمناطق المملكة. هذه مجرد فكرة لما يمكن أن يقدمه المهرجان.