حين سألت نفسي ماذا يريد الشعر؟ لم أتوقع أن أجد الجواب في رمشة عين، فقد كتب الشاعر عبدالله الهامل على صفحته:

«لا يريد الشعر غير غرفة دافئة بنافذة لا تحدث صريراً إذا هبت الريح»، ثم أردف شارحاً: «يريد أن يتأمل الرياح ويخترع لها أصواتاً وأسماء، يريد الشعر كرسياً ليمدد رجليه ويكلم تعب قدميه كما يشاء، يريد الشعر أن يفقأ عين السيليكون ويبدل مكانها وردة أو رصاصة أطلقها جندي خائف لم تصب أحداً، يريد الشعر أن يَخرس الجميع كي يجد الكلمة الناقصة في نشيد الكون».

هكذا دون عناء بحْث، يأتي الجواب من شاعر أصيل، وكأنه ذلك المختصر الشهير الذي تركه لنا عبدالقاهر الجرجاني على أن الشعر «علم يشترك فيه الطبع والرواية والذكاء» فلا أحد يملك هذه البلاغة في التوصيف غير شاعر جُبِل بالفطرة على سحر الكلام وبساطته.

كل مفاهيم الشعر قَلَّصت من حجمه وأفرغته من كل جمالياته، وهي تحده بأوزان وقوافٍ، وقواعد عن تنسيق الكلمات، وشدٍّ ومطٍّ، وفصل ووصل، وإيجاز وإطناب واستعارة وتشبيه، وملح وبهار وحرّ...

شيء يشبه «الكتالوج» الذي يشرح تقنيات تركيب لعبة، إذ يُختصر الشعر في خطوات استسهلها بعض المتعلمين فراحوا يصبون الكلام في قوالب معينة، ويعرضون ما ينسخون ويستنسخون، غارفين من أسطح نزواتهم ما هب ودب، منهمكين في ترتيبها حسب مقادير «الطبخة» وحسب استيعابهم لمفهوم الشعر، فيؤلفونه وكأنّه عملية تصفيف مضحكة تشبه بناء بيوت اللعب، مع حرص غريب لإيجاد حرف الروي لإنهاء كل شطر مما يؤلفون.

وقبل تسهيل الشعر بهذا الشكل كان على مدى عصور ينبع من قلوب الشعراء دون أدنى دراية بتلك القواعد، فقد ولد الشعر من أعماق أعمق من آبار النفط، وحمل في ثناياه ما هو أغلى من الذهب وكنوز الدنيا بأكملها، انبثق من قلوب علّمتها الفطرة كيف تحب وكيف تبكي وكيف تعصف بالداخل الهائج قبل أن تنفصل عن الذات في عملية مخاض عسيرة، ثم كيف تكبر وتعيش أربعة فصول كاملة تشهد فيها غزارة الأمطار، ويقظة الأزهار، واستدارة الثمار.

قبل استخلاص تلك القواعد الصعبة التي أوجدها شيوخ اللغة لحماية أعمدة الشعر من الانكسار هبت الرياح بما لا تشتهيه السفن، فلا الشعر أدرك ما تمنيناه، ولا الشعراء أدركوا سقف الشعر..

إذ يبدو أن صعوبة تلك القواعد جعلت جحافل الشعراء عبر الزمن يرسبون في امتحانات التأهل للأقسام العالية، فقلّ الشعر، وكثر أشباه الشعراء، وأصبح علينا أن ننطلق بعيداً في فلوات هذا العالم المكتظ لنجد شاعراً مثل عبدالله ...الهامل في ملكوت الله.