تطلّ مدينة «زادار» الكرواتية على البحر الأدرياتيكي، لذا فهي مدينة ساحلية لديها نفس خصائص وطقس سائر المدن المطلة على هذا البحر سواء كانت مدناً إيطالية أو ألبانية أو سلوفنية، غير أن تلك المدينة تتميز بشيء واحد ابتكرته جعلها تتحول إلى مقصد سياحي جاذب.

الفكرة جاءت من ابن المدينة المهندس المعماري «نيكولا باشيتش»، الذي لم يكن راضياً عن أسلوب إعادة إعمار مدينته بعد الحرب، إذ تحوّل كل شيء إلى كتل خرسانية قبيحة وصامتة، فقرر أن يفسح المجال للطبيعة وبالذات لصوت بحرها!

أعاد «باشيتش» ابتكار آلة موسيقية عتيقة تعتمد في إخراج أصواتها على أمواج البحر، مستوحاه من آلة «الهيدروليس» الأغريقية، وهي ما يطلق عليه بالأرغن، حيث يُدفع الهواء في الأنابيب بقوة مياه الأمواج لتصدر في النهاية أنغام موسيقية لافتة، وقام بوضع خمسة وثلاثين أنبوباً على مدى سبعين متراً من رصيف المدينة المطلّ على البحر.

ولكي تصدر إيقاعات موسيقية عشوائية مختلفة؛ احتوت كل فتحة من فتحات الرصيف على خمسة أنابيب مضبوطة على وترٍ موسيقي مختلف، ثم وصلت الأنابيب ببعضها عبر قنوات ضيقة، تسمح لها بالتفاعل وإصدار الأصوات تبعاً لحركتي الرياح والأمواج، ناهيك عن أن الأنابيب الوسطى السبعة وضعت بطول مختلف، حتى تتوافق مع مبادئ التناغم الموسيقي، والنتيجة أوركسترا من الموسيقى الطبيعة التي لا تتوقف ليلاً ولا نهاراً.

فكرة الاستفادة من أمواج البحر لإصدار الأصوات ليست جديدة، فهي موجودة منذ ما يزيد على خمسين عاماً في أحد الأرصفة البحرية في سان فرانسيسكو، أما إصدار الأصوات الموسيقية من الرياح فموجود في مدينة «بلاكبول» البريطانية، لكن العبرة دوماً بالشكل النهائي ونوعية الأصوات، التي مكنت هذا الأرغن من الفوز بجائزة أوروبية للمشاريع الحضرية العام عبر منافسة أكثر من مئتي مشروع أوروبي.

أضحى هذا الأرغن البحري أيقونة للمدينة، فما أن تقترب منه إلا ويشدك بصوته المختلف، وتشعر كما لو كان البحر يتحدث إليك، هناك يتوقف أبناء المدينة قبل زوارها يرهفون سمعهم لما يقوله البحر وأمواجه، يتأملون السماء يعيدون النظر إلى تلك الأمواج التي تبدع أصواتاً تشدك نحوها بشكل حميم.

أفكار إثراء الأرصفة البحرية أو مواقع الجذب السياحي كثيرة ومتعددة، وتتجاوز مجرد فتح المطاعم والمقاهي ونشر المساحات الخضراء مثل الواجهة البحرية الجديدة بجدة أو كورنيش الخبر، كل ما يحتاج الأمر هو فتح الباب واسعاً أمام إبداعات شباب المدينة وأفكارهم المختلفة، فهي من يحدث الفرق ويصنع التميز.