من المعروف في الحياة الاجتماعية سواء حضرية أو بدوية، مدنية أو قروية، أن المجتمع ينضبط في تفاعله وحياته، وتستقيم أموره وأحواله وتصلح علاقات أفراده مع بعضهم من خلال المبادئ السليمة التي يتبعها، وما ينطلق منه مما نسميه سلوم، أو بالأصح مسلمات، وهي التي يراها أفراد ذلك المجتمع ضرورية لاستقراره، وأخذه بالطيب من الأفعال والأقوال والتعامل. والمجتمع يضبط نفسه بنفسه من خلال مراقبته الشديدة والدائمة، ويحرص على أن تكون مسيرته وفق المبادئ والثوابت وما ينبثق منها من عادات طيبة، ولا يسمح بمخالفة الصواب أو انتشار الخطأ، حتى أن عين المجتمع تعد من أهل الضوابط التي يمكن أن نسميها عين الرقيب الاجتماعي. وتعد عين الرقيب أقوى كلما كان المجتمع أصغر وأقل عدداً، كما أن ذلك الضبط يتدرج شدة وقوة من البادية إلى الريف والقرية ثم المدينة، ثم يحتاج إلى قوانين ونظم تضبط كلما عجزت أو ضعفت عين الرقيب الاجتماعي. وفي الماضي كان المجتمع أكثر حرصاً وصرامة وضبطاً ومحافظة على ما يعتبر "سلوم" ومسلمات ومواجيب لا يسمح بالتفريط في شيء منها ولا يزال ذلك كذلك وإن خف مع تسلم القوانين والأنظمة زمام أمر الضبط فخف الضبط النابع من المجتمع على نفسه. هذه السلوم في مجموعها مهمة يحتاجها الجميع، مثل إكرام الضيف واحترام الآخرين وتقدير الكلمة والمجالس والمواقف المشرفة ورفض الخيانة ومنع الاعتداء والظلم وحفظ الجوار وإجارة الضعيف ونصرته.

والشعر قناة تعبيرية كانت ولا تزال تهتم بكل ما يساند الضبط الاجتماعي ويحافظ على الثوابت، ويوصي بها، ويقرب المعاني للمتلقي بحيث يؤثر فيه إيجاباً، ويشيد بالأعمال التي ترفع من شأن الفرد وأهله والوطن والمجتمع وتثني القصائد على من يكون حاضراً في كل ما يحتاجه المجتمع مضحياً بالنفيس في سبيل تحقيق كل الخصال الطيبة لا يبخل بماله ولا بجاهه ولا بجهده، كما يرفض الشعر في مضامينه كل من يكون أنانيناً بخيلاً متقاعساً عن الواجب الذي تفرضه المواقف، ويذم كل من يكون معول هدم يعاني منه مجتمعه، كمن ينقل النمائم أو يروج الشائعات أو يسعى في خراب ذات البين أو لا تكون لديه الحمية الحميدة والنخوة، والهدف من ذلك كله تعزيز الجوانب الإيجابية، وتقوية الصف فيكون لمجتمع مثل هذا هيبته وعزته، وبقاؤه قوياً متماسكاً لا تضعفه هجمة من عدو من خارجه، ولا يهدده من الداخل مغرض أو جاهل أو غافل أو ناقص معرفة ومستهتر. وعلى هذا فالشعر وحرص الشاعر قام بدور مهم في عملية الضبط الاجتماعي، بل وقام بدوره المهم في هذا المجال، وساهم فيما ينفع، ووظفت الموهبة الشعرية في محلها ولخدمة تماسك المجتمع.

يقول الشاعر راجح بن سالم العجمي، مؤكداً في قصيدته على أهم ما يفترض الأخذ به من الفضائل والحرص على عدم الاغترار بالمظاهر أو الانسياق وراء الشائعات وما يضعف المجتمع:

لا تـــنخدع لمصلخ الــــهرج تصلـــيخ

وأهــل المظاهر والحلوق الوســـــاعي

ولا تحتقر من لـــه مع الطيب تـــاريخ

لا صار مافـــي يده ريـــال ومتــــاعي

يمكن يحط المـــال راع الغنم شـــيخ

والفقر يمكن يجعل الشــــيخ راعــــي

يطلع مــن اللـــي تحتقرهم مطانــيخ

ويجيك من قـــوم المظاهر رعــــاعــي

وابعد من اللي في القفى تركي الصيخ

تشذب وتنهش مثل نـــهش الأفــــاعي

اللـــي لنـــيران المشاكــل منافــــيخ

قــــوم ٍ يثيرون الــــفتن والنزاعــــي

وإن جــــاك إشاعه نوخ العلم تنويخ

وخلك لتشخيص الإشاعات واعــــي

بعض العلوم تدوخ الرأس تـــدويخ

وترى المرجج تجعل المد صـــاعـــي

كم واحـــد ٍ ينبح كما ينبح الذيـــخ

ولا بغيته حزة الضيق ضـــاعـــي

لـــو كان يرسل من لسانه صواريخ

تـــراه ثلج ٍلانس الشمس مـــاعـــي

ممشي معا ذولا مذلــة وتوبـــيخ

ارفع مقامك يا طـــويل الذراعـــي

ناصر الحميضي