لا أعتقد أن البدء بجملة ( دوت صرخة) تعبيراً عن يوم الميلاد ستكون مناسبة لمثل هذه الحالة , الأكثر دقة إنه في (سيلة الظهر) عام 1941 م دوى رعدٌ معلناً ولادة صوت جهوري أقرب ( للحداء) منه للموسيقى , وكأنها نبوءة تحققت بعد سنوات عندما أسس مع رفاقه الإذاعة والتلفزيون السعودي .

المتخصص والمحب للغة العربية وآدابها, ظل أربعين عاماً يحرث اللغة بين مكرفون الإذاعة وكاميرا التلفزيون, برامج كثيرة أقربها لغالب كامل وللناس أيضاً برنامج (سلامات) الإذاعي, وفكرة ذلك البرنامج موغلة في الحسّ الإنساني, وربما ما زالت بعيدة عن الإعلام الحالي, الفكرة هي كون البرنامج يستضيف المرضى ( المنومون في المستشفيات), بل وترتيب حفلات ترفيهية يتم فيها دعوة نجوم الكوميديا ليشعر المريض ليس فقط أنه مع الناس, بل يشعر أنه أقرب للمرح والتفاؤل ,أما في التلفزيون فما زال برنامج " لمن الكأس" الذي لا يزال نابضاً حياً في ذاكرة ( اليوتيوب).

النبرة القوية, والارتجال الذي لا يخشى لحن لغة, وملامح صارمة تليق بملامح قارئ نشرة أخبار, كل ذلك لا يستطيع أن يخفي في ملامحه روح الفنان / الإنسان , أو ذلك الفتي الذي تعلّم العزف على آلة العود مردداً معه وبه أغاني الموسيقار – القريب من روحه – الراحل فريد الأطرش ,لم يترك العزف, لكنه اختار أن يدوزن حروف اللغة وأوتارها بثقة جعلته آية في الارتجال وكأنه يسخر من الورق !

في الحوار ( وكأنها رسالة للجيل الجديد الذي يرى في إحراج الضيف مثالاً للجرأة) يقول : ( أتعامل مع ضيفي على الشاشة أو الميكرفون على أنه في منزلي ويجب إكرامه لا أحراجه) , لكن هذا لا يعني أن يكون هادئاً في المواقف التي تتطلب حِدة , ذلك ما جعل غالب كامل الهادئ الوقور ينتفض بلغة تكاد تشعل الآذان غضباً عندما قال مسؤول بأنه غير مستعد لخدمة المواطن لقلّة وعيه! , هنا تغيرت النبرة وأصبح المحاور هو المحاور المدافع عن نفسه , شاهد الملك فهد – رحمه الله – تلك الحلقة , وكانت رسالته لغالب كامل : ( هذه البرامج التي نريدها ..لا المجاملات).


داهمه المرض , ومازال يغرس أنيابه البغيضة في صدر أستاذنا والجزء المهم في ذكراتنا ووجداننا, حتى وجد (صديق الراحلين) نفسه خارج الوطن ( بناءً على نصيحة الأطباء) , لكنه ما أن يتحدث عن رحلته في الإعلام إلا وينساب الكثير من الوجع والمرارة, وشيء جارح أقرب للشعور بالخذلان , يلمح ولا يفصح, وكأنه لا يريد أن يرانا بحُمرة خجل على نسياننا له , وهو – ككل الكبار – يستحق أن نلتفت – بل نقف – لنقول له شكراً, نقولها ليس لأنه يستحقها فقط, بل كي نقوم بأقل واجباتنا نحو أنفسنا, أما هيئة الإذاعة والتلفزيون فلا أعتقد أن غالب كامل غير موجود في روحها قبل ممراتها وأستديوهاتها!

فهيد العديم