خليق بالتقدير والإعجاب بل والتأمُّل هذا التواضع والتحرّج اللذان يبديهما أساطين الفلسفة ومبتدعوها من أفلاطون وفيثاغورس حتى أمانويل كانت حين يصفهم أحد بالتفلسف ويكتفون بالتأكيد أنهم مجرّد محبّون للحكمة لا أكثر.

تندهش من حالة الاجتراء والجسارة وعدم الاكتراث بالبعض حين يسبغ على نفسه أو يسبغ غيره هذه الصفة على أحد أيّاً كان نشاطه العلمي أو الإنساني بشكل عام.

هي حالة من النرجسية الثقافية الفجّة التي تتلبّس الكثير وتجعلهم بكل ادّعاء يخلعون على نشاطهم وممارساتهم طابع التفلسف بل مسمى "فيلسوف"..!

هذا السلوك لا يصدر إلا من "سفسطائي، مغالطي" يتوهّم التفلسف في حين أنّ جهده لا ينطوي على إضافات مهمة أو خلاقة ومبتكرة فتلك النرجسية حالت دون ارتياده لحقول المعرفة الخصبة فلم يتمكن على إثر ذلك من اجتراح طرق فعالة سواء في التفكير أو ابتداع صِيغ ملائمة للتدبير والتنظيم كما يصف علي حرب الذي يرى أنه لا يولد الفيلسوف أيّاً كانت هويّته، إلا على تحوّل عالمي. ويقصد بذلك أنه لا يقوم بتجنيس المفاهيم والفلسفات، بل يشتغل على الأفكار ويقوم بتفكيك المقولات، لكي يقدّم صياغته المبتكرة التي يعيد من خلالها ترتيب العلاقة بين الوجود والذات والفكر واللغة.

ولعل من المفيد الإشارة إلى رأي لافت للمفكر والباحث التونسي د. حمادي بن جاء لله الذي قال: أرى اليوم في تونس وغيرها من البلدان العربية استسهال إطلاق كلمة "فيلسوف" على البعض فيما هو لا يحسن تركيب الجملة وأعتقد أننا في العالم العربي لا نملك فلاسفة إلا على سبيل الادعاء خصوصاً إذا أردنا أن نعطي كلمة "فيلسوف" بعدها المعرفي والأكاديمي المتعارف عليه، مطالباً بالتواضع المعرفي والاجتهاد الذي يبدأ بالاعتراف بأن زادنا في الفكر الفلسفي والنقدي قليل ولنأخذ العبرة ودرس التواضع من مبتدع الفكر النقدي في العصر الحديث ومرجع الإنسانية جمعاء في هذا المجال ايمانويل كانت والذي كان حتى في آواخر عمره يسأل: ما هي الفلسفة؟ وقد أشار ايمانويل كانت إلى أن اليونانيين لم يكونوا مبدعين بقدر ما كانوا يحسنون التتلمذ على حضارات عصرهم.

المثقف العربي عموماً بحاجة للتواضع والتخلي عن أوهامه المعرفية تلك التي رأى فيها الناقد عبدالإله بلقزيز مفارقة صارخة تدعو إلى الاستغراب، وتتمثّل في أن المثقف ما برح متمسّكاً بأوهامه عن أدواره الأسطورية حتى اليوم على الرغم مما أصاب عمرانه من خراب عظيم! ومن ذلك أنه لم يفتأ يدّعي في كل مناسبة، وحتى من دون مناسبة، أنه مالك الحقيقة وسادنها القيّم على حراستها، ويحدث ذلك في مجتمعات الغرب حيث أُصيبت أزعومة الحقيقة في الصميم، لكنه يحدث في المجتمعات العربية والإسلامية على نحو أشدّ ادّعاء.