من التهم التي توجه إلى علماء الاقتصاد: أنهم لا يعطون رأياً حاسماً، لدرجة أن الرئيس الأمريكي «تورمان» كان يقول: أعطوني اقتصادي بذراع واحدة. واتهم بعضهم مثل الاقتصادي المعروف «بون ماينرد كينز» بأنه صاحب آراء متقلبة. ووصل الأمر إلى التندر بذلك.

فعندما طلبت لجنة ملكية «رأيا حول موضوع ما» من خمسة من علماء الاقتصاد ومن بينهم «كينز» قيل: إنهم سيحصلون على ستة أجوبة، اثنان من «كينز» ولم يكن يتحرج من ذلك بل يتباهى به، ويقول: حين تتغير معلوماتي أغير رأيي، ماذا كنت ستفعل أنت يا سيدي؟ ويعلق على ذلك سامويسلون في مقدمة كتابه «الاقتصاد» بقوله: لم يكن يريد أن يكون الساعة المتوقفة التي لا تكون صحيحة إلا مرتين في اليوم.

ومربط الفرس في كلمة «كينز» قوله: «حين تتغير معلوماتي»، وبالتالي طبيعي جداً أن يختلف رأيه، فالآراء في قضايا «المعاش» تبنى وفق المعطيات، واختلاف آراء الناس في هذه المسائل - بلا شك - إثراء لمعارفهم، وتؤدي إلى طرح أكثر من صورة لمعالجة ما يواجهون من تحديات ومشاكل، ومن طموحات يؤدون الوصول إليها.

في مسائل الفقه، ولا سيما باب المعاملات والذي له تداخل مع الاقتصاد والمال فإن جمهور مسائله محل خلاف، وهذا أيضاً جانب إثراء، فقد يكون الأصلح في بلدٍ قول أبي حنيفة على غيره من الأقوال، وقد يكون في بلدٍ آخر قول أحمد، وهكذا أيضاً من زمان إلى زمان. بل إن المذهب الفقهي الواحد؛ كمذهب الإمام أحمد تتعدد فيه الروايات عن الإمام في المسألة الواحدة، وقد امتاز مذهبه بكثرة رواته، ذكر منهم المرداوي « ثلاثة وثلاثين راوياً».ولاختلاف الرواية عن الإمام أحمد أسباب تعود إلى النص، وتعود إلى الفهم، وتعود إلى اختلاف الحال، كما أن لتعدد الرواية فوائد مهمة، منها: إثراء الاستدلال للروايات، وكذلك أكسب المذهب تنوعاً هو بحاجة إليه لاستيعاب المسائل المستجدة، مما مكن فقهاء المذهب من تصحيح كثير من العقود التي لا توجد عند غيرهم. ومن أهم الفوائد: التواصل مع المذاهب الفقهية الأخرى، وعلى سبيل المثال: بيع الفضولي، فعن الإمام أحمد روايتان: إحداهما أن البيع باطل وهذا مذهب الإمام الشافعي. والرواية الأخرى: أن البيع والشراء صحيحان ويقف على إجازة المالك. وهذا مذهب الإمام مالك، ومذهب الإمام أبي حنيفة في البيع، فأما الشراء، فعنده يقع للمشتري بكل حال. الخلاصة أن تعدد الآراء الفقهية سواء في المذهب الواحد أو ما بين المذاهب جانب إثراء لا ينبغي التهاون به؛ لاسيما مع مستجدات العصر. يقول مصطفى الزرقا: الاجتهادات الإسلامية لا يشذ عن مجموعها مبدأ حقوقي حكيم، أو نظرية معقولة.