دخلت وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر ثقافي جديد ومؤثر في تحديد توجهات ورؤى المجتمع وتكوين ثقافة منفتحة تتفاعل مع الجديد وتعيد صياغة الآراء القديمة بما يوافق الوقت الحالي. ومثلت هذه الوسائل بوابة متنوعة لتبادل الآراء ومناقشة الأفكار عبر تواصل مكتوب يشارك فيه الجميع دون النظر للخلفيات الثقافية أو القناعات الخاصة حيث أصبح المثقف يطرح رأياً في «تويتر» أو «الفيس بوك» ويجد ردوداً وتفاعلاً مختلفين من مهتمين أو متابعين بينما أنشأ مثقفون أو منتمون معجبون مجموعات عبر «الواتسأب» للنقاش وتبني وجهات نظر مشتركة فيما أسس المهتمون قنوات متخصصة في مجالات ثقافية مختلفة عبر برنامج «التيليغرام» لتمنح هذه الاختلافات في وسائل التواصل الاجتماعي تلاقحا ثقافيا رغم بعض التجاوزات. «الرياض» التقت عدداً من المثقفين والمهتمين بهذا الشأن لمعرفة آرائهم.

«زمن التواصل»

وفي البداية يرى عميد كلية الآداب في الجامعة الأردنية بعمان د. محمد القضاة أن اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ منظومة ﻗﻴﻤﺔ ﻣﻌﺮﻓﻴﺔ ﺗﺮﻓﻊ ﻣﻦ ﺷﺄن اﻻﻧﺴﺎن وتقوده اﻟﻰ الإبداع واﻻﺑﺘﻜﺎر، وتؤسس لقيم ﻗﺎدرة ﻓﻲ ﺣﻴﺎة اﻟﻔﺮد واﻟﻤﺠﺘﻤﻊ، ومن ﻳﻤﻠﻜﻬﺎ وﻳﺤﺴﻦ توظيفها ﻳﺼﻞ هدفه وﻳﺤﻘﻖ طموحاته وتتعرض اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ اﻟﻰ ﻣﺤﺎوﻻت ﻣﺴﺘﻤﺮة ﻟﻬﺪم ﻗﻮاﻋﺪﻫﺎ وإﻇﻬﺎرﻫﺎ ﺑﻤﻈﻬﺮ اﻟﻀﻌﻒ واﻧﻪ ﻻ ﻗﻴﻤﺔ ﻟﻬﺎ، وان اﻟﻤﺜﻘﻒ إﻧﺴﺎن دﻳﻤﺎﻏﻮﺟﻲ ﻳﻌﻴﺶ ﻓﻲ اﻟﺨﻴﺎل، لكن ﺿﺤﺎﻟﺔ اﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﻓﻲ وﺳﺎﺋﻞ اﻟﺘﻮاﺻﻞ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ؛ أﻣﺮ ﻳﺜﻴﺮ أﺳﺌﻠﺔ ﻛﺜﻴﺮة ﻓﻲ ﻇﻞ ﺧﺮوج ﻫﺬه اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ ﻋﻦ دورها الحقيقي وﺗﺠﺎوز ﻣﻦ ﻳﻜﺘﺒﻮن ﻓﻴﻬﺎ ﺛﻘﺎﻓﺔ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ وﻗﻴﻤﻪ وﻋﺎداﺗﻪ .

وانتقد القضاة ما يكتب في هذه الوسائل معبراً عن حزنه بقوله وجدت ﻛﺘﺎﺑﺎت وردودا وﻧﻘﺎﺷﺎت ﺗﺼﻞ ﺣﺪ اﻟﻔﻀﺎﺋﺢ وارﺗﻜﺎب اﻟﻤﺤﺮﻣﺎت؛ و ﻛﺄن اﻟﻨﺎس ﻓﻘﺪوا ﻋﻘﻮﻟﻬﻢ وﻋﺎداﺗﻬﻢ وﺗﻘﺎﻟﻴﺪﻫﻢ ودﻳﻨﻬﻢ ، ﺗﻘﺮأ وﺗﺘﻌﺠﺐ وتعود للوراء سنوات و سنوات ﺗﺠﺪ ﻧﻔﺴﻚ ﻓﻲ ﻣﺘﺎﻫﺎت اﻟﻴﻮم ﻏﺮﻳﺒﺎ ﺷﺮﻳﺪا وﺗﺒﻜﻲ ذﻟﻚ اﻟﻤﺎﺿﻲ اﻟﺒﺴﻴﻂ ﺑﺪﻓﺌﻪ وﺑﺴﺎﻃﺘﻪ وﺻﻌﻮﺑﺔ اﻟﺤﻴﺎة ﻓﻴﻪ ، كانت الكلمة كحد السيف وكان الجميع يعيشون عبقرية البساطة واليوم غاب الكبير في النسيان وغادر الطيبون المكان وغدا الصغير بقلة وعيه صاحب رأي و حكمة!.

وبين القضاة أن زﻣﻦ وﺳﺎﺋﻞ اﻟﺘﻮاﺻﻞ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺿﺎع ﻓﻴﻪ اﻟﺠﻤﻴﻊ واﻧﺼﺎع اﻟﻜﺒﻴﺮ ﻟﻠﺼﻐﻴﺮ ولم يعد لأحد سلطة على أحد وحين تنظر في وجوه بعض الناس وﺗﻘﺮأ ﻓﻲ ﺻﺤﺎﺋﻔﻬﻢ وﺻﻔﺤﺎﺗﻬﻢ ﺗﺠﺪﻫﺎ ﻻ ﺗﻤﺖ ﻟﻮاﻗﻌﻬﻢ ﺑﺼﻠﺔ ، واذا ﺑﻚ اﻣﺎم ﺳﻴﻞ ﻋﺮم ﻣﻦ ﻗﻠﺔ اﻟﺬوق واﻟﺸﺘﺎﺋﻢ واﻷﻟﻔﺎظ السوقية في كتاباتهم ﺗﻨﺎﻓﻲ اﻷﺧﻼق واﻟﺬوق اﻟﻌﺎم وﻳﺴﺘﺤﻲ اﻟﻤﺮء ﻣﻦ ﻗﺮاءﺗﻬﺎ معتبراً أن وﺳﺎﺋﻞ اﻟﺘﻮاﺻﻞ اﻻﺟﺘﻤﺎﻋﻲ أُﻧﺸﺌﺖ ﻟﺨﺪﻣﺔ اﻻﻧﺴﺎن ﻻ ﻟﺸﻘﺎﺋﻪ وﻛﺸﻒ ﻋﻮراﺗﻪ واﻻﺳﺎءة ﻟﻪ ﻋﻠﻰ اﺧﺘﻼف ﻣﺸﺎرﺑﻪ وﻓﺌﺎﺗﻪ وأﻟﻮاﻧﻪ والشكوى من هذه الوسائل أصبحت كثيرة وعامة ﺑﺴﺒﺐ ﺣﺠﻢ اﻟﺘﺠﺎوزات اﻟﺘﻲ ﻳﻘﺎرﻓﻬﺎ ﻟﺼﻮص اﻟﻈﻼم اﻻﻓﺘﺮاﺿﻴوﻦ اﻟﺬﻳﻦ ﻻ ﻳﺮﻋﻮن إﻻً وﻻ ذﻣﺔ، ﻣﻦ ﻫﺬه اﻟﻮﺳﺎﺋﻞ أﺻﺒﺤﺖ ﻛﺜﻴﺮة وﻋﺎﻣﺔ ﻳﺘﻮرﻋﻮن ﻋﻦ اﻻذى واﻟﺸﺘﻢ وﻗﻠﺐ اﻟﺤﻘﺎﺋﻖ واﻟﻜﺬب اﻟﻤﻔﺘﻮح وﻟﻼﺳﻒ ﺑﻌﻀﻬﻢ ﻳﻨﺸﺮ اﻹﺷﺎﻋﺔ وﻳﻌﺰزﻫﺎ.

«الرأي العام»

ويشير أستاذ الأدب الحديث أ.د. محمد بن يحيى أبوملحة إلى أنه تتعدّد عبر الزمن وسائل التثقيف والتواصل والتفاعل، وإن كانت الأزمان المنصرمة والفترات الماضية قد شهدت تغيرات في وسائل المعرفة من جهة ووسائل التواصل من جهة أخرى فإن هذا الزمن يعدّ مختلفًا وفارقًا عن العصور التي سبقته من حيث الانفجار المعرفي والتعدّد اللافت في وسائل التواصل الاجتماعي، كما شهد هذا العصر تأثيرًا متزايدًا لتلك الوسائل؛ حتى لقد غدت ميدانًا تتنافس فيه مختلف القوى والأفكار وتتنازع فيه مختلف الاتجاهات.

مؤكداً أن وسائل التواصل الإجتماعي تكتسب يومًا بعد يوم مزيدًا من التأثير، وتتوسع رقعة انتشارها يومًا بعد آخر؛ فعلى مستوى الأفراد تسهم بشكل ملحوظ في تكوين مزاج الفرد، وتوجيه رأيه، وإعادة صياغة ذوقه، بل قد تصل إلى القدرة على تجنيده ضمن شبكات إرهابية أو إجرامية، بل قد تمارس عليه ما يشبه عمليات (غسيل المخ) حتى إنه ليقتل نفسه حين يسلم إلى تلك الوسائل والمتحكمين فيها زمام فكره ونفسه (كما في لعبة الحوت الأزرق)! وعلى مستوى المجتمعات استطاعت تلك الوسائل اعادة صياغة الرأي العام، وإعادة صياغة المزاج العام للمجتمع، وتمكنت في كثير من الأحيان من التأثير المباشر في الاتجاهات الاجتماعية، وكانت عاملًا مؤثرا في التحركات المجتمعية.

وشدد أبو ملحة أن الصيرورة المجتمعية وجدلية التاريخ لا تتركان لنا الخيار فيمابين التفاعل مع وسائل التواصل الاجتماعي أو رفضها؛ فلا خيار إلا التفاعل معها لكن المطلوب أن يكون هذا التفاعل ناجحًا وإيجابيًّا بأن يكون تفاعلًا واعيًا وناضجًا يأخذ بالجوانب الإيجابية في تلك الوسائل، ويتجافى عن السلبيات، يحافظ على قيمه ومصداقيته ومبادئه؛ فلا يندفع إلى ملاسنات لفظية ومزايدات مفضوحة، ولا يجاري السفهاء في تلك الساحات وعلى تلك الصفحات، بل يتسامى بفكره، ويركز على أهدافه السامية وقيمه العليا، يتخيّر ألفاظه؛ لأنه يعلم أن الكلمة مسؤولية، وتتزايد مسؤوليتها في هذا الزمن وعبر تلك الوسائل التي تجعل الكلمة سيّارةً تطير في الآفاق، يمتدّ أثرها، وتدلّ أولَ ما تدلّ على منشئها.

«أوعية نشر»

وأوضح وكيل كلية العلوم الإنسانية للدراسات العليا في جامعة الملك خالد د. قاسم بن أحمد آل قاسم أن وسائل الاتصال الحديثة هي وعاء جديد من أوعية النشر؛ التي تمكن المبدع من نشر إبداعه بطريقة سريعة؛ وبالإمكان أن تصل إلى أكبر شريحة مجتمعية، وقد يحدث التعليق عليها مباشرة بعد نشرها ؛ وهذه ميزة لا تتوافر لغيرها من وسائل النشر الأخرى .

مبيناً أن وسائل التواصل الاجتماعي تسببت في إحداث تغير في أنماط حياة الأفراد وثقافتهم بشكل كبير، ولكن الإشكالية في القيمة المعرفية لما ينشر ؛ فهذه الوسائل أتاحت للجميع المشاركة ؛ فكان الغث وكان الثمين ، وإن كان بدرجة أقل بكثير من الأول هنا .

و أشار آل قاسم أن أوعية النشر المختلفة تتكامل، وتتضامن لخدمة الثقافة والمعرفة ؛ ولا يمكن أن تشتجر ويلغي بعضها بعضها الآخر؛ وكل وسيلة من هذه الوسائل لها إيجابياتها وسلبياتها ؛ وكل مبدع يختار ما يحلو له من تلك الأوعية؛ ولهذا باتت هذه المنافذ للنشر متاحة للمثقف ؛ بل ويمكن من خلالها التعاطي المباشر واليسير (البسيط / السهل) مع المنجز العالمي ؛ والمشاركة في صنع المعرفة؛ سواء أكان ذلك محليا أم عربيا أم عالميا؛ فالخيارات - كما قلت سلفا- مفتوحة للجميع؛ ومتاحة لكل مبدع، ولكل إبداع.

«إبداع ثقافي»

و يشير أستاذ الأدب والنقد الحديث المشارك د. إبراهيم أبو طالب إلى أن لكل عصرٍ آلياته المعرفية ووسائله الثقافية، فمن مرحلة (الشفاهية) الموغلة في البدايات التي كانت سبيل البشر في نقل المعرفة، وحتى المرحلة (الكتابية) التي عُرِفَ بها الإنسانُ وابتكر رموزَ الكتابة المختلفة، فكانت وسيلته لنقل معارفه ورصد خبراته وثقافته والحفاظ عليها، إلى مرحلة (الصورة والشاشة الذكية) وثورة التكنولوجيا التي هي الآن وسيلة العصر وحاملة ثقافاته وتواصله الاجتماعي والمعرفي والإنساني حتى الآن ولا نعرف بما يأتي به التطور، ولكنها السائدة في أيدي الناس والحاضرة معهم – ربما أكثر من أي وسيلة سابقة وعلى مدار الساعة وفي كل اللحظات- فهي أول ما تقع عليه العين عند الاستيقاظ وآخر ما تودعه العين قبل المنام، ومن هنا فإن دورها مهم وحضورها بات ضرورةً ولم يعد من الكماليات، وله خطورته أيضًا، ولهذا صارت أكثر الوسائل لنشر الثقافة والوعي الاجتماعي.

و كشف أبو طالب أن وسائل التواصل الاجتماعي بتعددها قد أحدثت الكثير من التغيير في أنماط حياة الأفراد وثقافاتهم وطريقة تفكيرهم بحيثُ أصبح الفرد أكثر معرفةً بما يدور في العالم، وبما يحدث في اللحظة ذاتها، وبما يشيع من المعارف والأحداث اليومية، فلا يكاد يخرج مقطع أو رسالة تلفت الاهتمام إلا ويطَّلع عليها الناس في أقل من يوم -إن تأخرت- تتناقلها المجموعات أو تتشاركها مواقع التواصل.

عاداً ذلك دليلاً على سرعة إيقاع هذه الوسائل وعمومتيها وأهمية ما تحمله للناس أو حتى عدم أهميته أحيانا، ويختلف الناس في اهتماماتهم ولكن قد يفرض عليهم شيئًا ما دون أن يكون لهم الخِيَرَةُ من أمرهم، ومن هنا تحضر الإنساق الثقافية الموجِّهة للتفكير وللذوق العام، وقد يقع المتابع تحث تأثيرها سواء بما كان منها سمينًا أو غثًّا.

وعن حجم تأثير هذا الوسائل على صناعة الإبداع الثقافي يقول د. إبراهيم أبوطالب أن الإبداع الثقافي أنواع، فإن كنا نقصد به مدى تناقل المقاطع الإبداعية من فيديوهات مفيدة ونافعة وجميلة (بما يحقق هدف الإبداع الجمالي) وليس النفعي فقط، فإن الأمر يعود إلى وجود المؤسسات المنتجة لذلك والمتخصصة فيه، وهي تكاد تكون شبه غائبة لأنه لا يوجد مردود مادي لها، وبالتالي يكون العزوف عن ذلك هو الغالب، فتأملوا كم عدد المؤسسات الجادة التي تنتج مثل ذلك النوع من الإبداع على امتداد الساحة العربية؟ وتكون قاصدة بذلك وجه الإبداع وغاياته ورسالته، وأما إن كان على مستوى الأفراد فهناك عدد من الهواة ومحققي الذات والباحثين عن التميز أو الشهرة يقومون بجهود فردية هنا وهناك بعضها يُكتَب له النجاح والبعض الآخر يموت قبل أن يولد، وقد أتاح لهم ذلك الفضاء الحرية وسهل عليهم الأمر، بعض الرسائل الإبداعية الشعرية أو التغريدات أو الخواطر أو السرد فإنها تكاد تكون تزيينية لصفحات أصحابها، أو يكون هدفها استمرارية حضورهم عند جمهورهم، وأحيانا كثيرة تكون عرضة للسرقة والسطو الفكري والانتهاب، فيخاف منتجوها الجادون عليها من هذا الفضاء المشاع الذي لا تقيِّده أعرافٌ ولا تحفظ حقوقه الفكرية نُظُمٌ، ومن هنا يظل مكان الإبداع الحقيقي ومظانّه هو الكتاب والمعرض والعمل الجاد الموثَّق وعلى الرغم من ذلك لا نعدم وجود ما ينفع ويضيف للإبداع من الجهود الكثيرة هنا وهناك، وقد يظهر بين وقت وآخر عبر تلك الوسائل.

د. القضاة:تجاوزات كثيرة يمارسها لصوص الظلام
د. آل قاسم:إشكالية القيمة المعرفية للمنشور
د. أبو طالب:فضاء مشاع لا يصون مبدعيه
أ.د. أبو ملحة:ساهمت في تكوين المزاج وصياغة الذوق