لا تعرف بلدة أخرى إرثا يوازي تراث المدينة المنورة الإيماني، وغنى يفوق تاريخها الإنساني، وآثارها العتيقة، كم تملكت قلوبا، وأسرت مهجا، وامتزجت قداستها برسالة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، وبأرواح النساك والزوار والعباد، ما إن تطأ الأقدام أرضها حتى تحل السكينة في الأفئدة، ويفوح عبق الطهر في أرجاء المكان، ويتحدث التاريخ بلسان فصيح عن بلدة شرفها الله بتنزل الوحي من السماء وهجرة خاتم الأنبياء.

شهادات الملايين دليل قاطع على اهتمام القيادة بخدمة الحرمين

سباق الشوق وحفاوة الورد

ما إن تحط الطائرة في مطار الأمير محمد بن عبدالعزيز الدولي وتتوقف محركاتها حتى يتسابق الركاب نحو السلالم يدفعهم شوق لا يوصف، وصبابة لا يعرفها إلا من يكابدها، وعند آخر درجات السلم تخر الجباه سجدا، حمداً لله على الوصول إلى طيبة الطيبة، فليس غريبا أن يستحضر القادم إلى دار الهجرة أهازيج الأنصار ترحيبا بالنبي الأعظم، فها هم الأحفاد في صالات القدوم ينشدون "طلع البدر علينا.."، متهللة وجوهم، وهم ينثرون الورد والنعناع المديني، ويقدمون عالية التمور وأجود أصنافها لهم، فكم تناقلت عدسات الهواتف بعفوية حرارة اللقاء الذي يجسد حب أبناء المدينة النبوية لضيوف الرحمن، وزوار مسجد النبي عليه السلام في بلدة طالما أحاطها ملوك البلاد منذ التأسيس على يد الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه-، وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- برعاية وعناية واهتمام لا نضير لها، يؤكدون دوما أن أنبل الأوصاف، وأقربها إليهم لقب "خادم الحرمين الشريفين".

حديث الروح

وما إن يضع الزوار أمتعتهم في النزل المعد على أمتار معدودة من ساحات المسجد النبوي، وتسابق قلوبهم الأقدام صوب الحرم النبوي الشريف، حتى يأخذ الشوق مبلغه، فترتفع الأكف مكبرة للصلاة في الروضة الشريفة في بقعة من الأرض تمتد بسبب إلى السماء "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة"، كل صعوبات الحياة ومشقاتها، كل الظروف مهما قست وصعبت وبدت تتلاشى وتتبدد.

محراب النبوة، والمنبر الذي حن للحبيب، والأساطين "المخلقة، القرعة، التوبة، السرير، المحرس، والوفود" تحيط بالمكان، وتبرز عناية الدول -أعزها الله-، التي تحرت في عماراتها المتتالية، وتوسعاتها المتلاحقة، الحفاظ على أماكنها والإبقاء على معالمها، وما إن يتم الزائر تحية المسجد، ومناجاة ربه وخالقه، حتى يستجمع قواه نحو المواجهة الشريفة، ليقف قبالة القبر الطاهر، فتتحشرج الكلمات، وتفيض الدمعات مهابة، "نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم"، ثم يتلو الزيارة غاضا صوته "السلام عليك يا نبي الله.."، وخطوة ثم أخرى للسلام على الصديق والفاروق صاحبيه وخليفتيه رضوان الله عليهما.

كل زائر للحرم الشريف تستوقفه إطلالة الحجرات، المحاريب الثلاث: النبوي "مصلى الإمام" السليماني والعثماني ويتعجب من كثرة الأبواب وضخامتها وجمال المآذن وعلوها والقباب الثابتة والمتحركة والعناية بالبناء والتشييد والنقوش والزخارف ويتعجب من تمازج القديم والحديث فالعمارة بطابعها الموشى بالأصالة التراثية والمعاصرة الحضارية تمتد إلى الساحات المحاطة 182 مظلة صممت لتقي من وهج الشمس صيفا وهطول الأمطار في المواسم، وفي أدق التفاصيل يلمس كل أحد عناية تفوق الوصف ويصعب حصرها.

التراث والأنسنة

مدينة النور تزخر بتاريخ عريق وكنوز من التراث والآثار، فعلى أمتار من الجانب الجنوبي الشرقي للحرم الشريف تبرز مقبرة البقيع التي تضم رفات عشرة آلاف صحابي بينهم آل البيت الأطهار، وهنا وهناك تتراءى مساجد أثرية أعيد بناؤها وترميمها مرات عدة كمساجد أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم، والغمامة، وعلى بعد كيلومترات جنوبا يسير الزائر عبر الشارع العتيق الذي تمت أنسنته حديثا لينبض بالحياة شاهدا على فكر متقد وإصرار على التطوير من قبل القيادة -أيدها الله- ومتابعة وتوجيه مستمر من صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن سلمان أمير المنطقة ويتحول القادم من الحرم نحو مسار للمشاة ومعلم مهم يربط الزائر بمسجد قباء أول مسجد أسس على التقوى، التاريخ في المدينة سفر كبير بصفحات ضخمة وترياق حياة يعرف هذا من وقف بمزار شهداء أحد شمالاً وشاهد الجبل المحب فاستمع لصهيل الخيول ومقارعة السيوف أو اتجه صوب الخندق حيث اعتلى التكبير وضربت الفؤوس الأرض لحماية عاصمة الإسلام من تحزب قوى الظلام، والكراهية وهيهات أن تكتمل الزيارة فالمساجد والآبار، والدور والقصور، والعيون والجبال، الأودية، والثنايا والحرار، ليست قطعا أثرية جامدة، بل تاريخ إنساني عظيم ينبض حبا وتسامحا وسلاما.

خدمة الحرمين

تلك المشاهد والصور وغيرها الكثير، تبقي المملكة دولة فريدة، خصها الله عز وجل بالحرمين الشريفين، وبملوك جعلوا في مقدمة اهتمامهم عمارة المسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف، وخدمة قاصديهما حجا وعمرة وزيارة، انطلاقا من إيمان عميق بشرف خدمتهما، ولا يمكن لأحد أن يزايد على هذه العناية والحرص والاهتمام، وما شهادات ملايين الحجاج والمعتمرين والزوار وكل منصف -على مدار الأعوام الماضية- إلا دليل قاطع على أحقيتها ليس بالقيام على الحرمين الشريفين فحسب، بل بقيادة العالم الإسلامي.

فريق السقيا بالحرم الشريف
السلام على النبي الخاتم وصاحبيه
زوار في جولة داخل مجمع طباعة المصحف الشريف
جهود طبية وإسعافية حرصاً على صحة الزوار
نظافة على مدار الساعة