لا أظن أن العالم بعصوره السحيقة، وبحضارته المختلفة، مرّ بحالة سوء ومرض، مثل ما يمر به عالمنا اليوم.. هذا العالم الذي توحش وصار مقلقاً ومخيفاً إلى درجة اليأس والقنوط من إصلاحه.. لست متشائماً على الإطلاق ولكنني أنظر إلى عالم اليوم بعين الواقع المرّ وليس بعين الأماني والأحلام..

عالمنا اليوم عالم عبثي متفسخ من معظم مبادئ القيم والمثل الإنسانية، فإنسان هذا العصر إنسان مرعوب قلق يخشى من شر المنقلب وسوء المصير.. فأنت أينما التفت لا تجد شيئاً يدعو إلى الفرح والابتهاج، فمعظم المشاهد التي تراها هي مشاهد قتل، وإبادة وتدمير، وتجويع وتشريد!

طائرات تحمل آلاف الأطنان من القنابل، تصب على رؤوس العزل والمساكين، صواريخ من مختلف الأنواع تدك البيوت، وتطحن عظام الأطفال، وتحرق الأخضر واليابس.. قنابل ذرية بإمكانها أن تحول الكون إلى هباء.. غواصات تجوب أعماق البحار ليلاً ونهاراً تترصد بالإنسان في مكامنها.

وفي الاقتصاد تتسلط “الروتشية” اليهودية الخبيثة المتوحشة التي تلتقط حبة الأرز من فم الطفل الجائع، وتجند كل مهارات الرأسماليين في العالم لخدمتها..

أما على مستوى الأخلاق فالبشرية في طريق تجردها تماماً من كل ألبسة الحياء وأردية الاحتشام والستر الإنساني.. آلاف الأطنان من الهروين والأفيون والحشيش، والكبتاغون والترامادول وكل أصناف المخدرات التي تفتك بعقول الشباب وتدمر خلايا أمخاخهم، وتحولهم في النهاية إلى مجانين ونزلاء مصحات عقلية، وفي الجانب الفكري فوضى عارمة، كل أصبح فيلسوفاً ومفكراً وأديباً، ومفتياً في أمور الدنيا والدين حتى أصبح التافه الوضيع، والذيل العفن يتحدث في شؤون القرآن وأحاديث الرسول الكريم وهو أجهل من حمار بَلْعَام، فيظل يجدف في كل شيء، ويهرف في كل شيء، من أجل أن يبقى في ذاكرة الناس، حتى لو كان ذلك على حساب الدين والقيم، والتي لا يؤمن بها بل يراها من زُهد المغفلين والسذج.. بينما يظل خنوعه، وتعاطيه كل أصناف الخضوع والاسترقاق لأعداء الأمة هو ما يفخر ويزدهي به.. وهذا وكما قلت من مصائب هذا الزمان المتزعزع المفرط في زرايته وتفلّته، حيث خرجت الأمور عن طبيعتها وانفرطت قوانينها ونواميسها المتعارف عليها وكأنها تنحدر إلى هاوية لا قرار لها، إنه المرض الذي أصاب عقل الكون بالعطب، والارتجاج والهوس، والفصام.

قد يرى البعض أن في هذا الحديث شيئاً من التشاؤم والسوداوية غير أن هناك فرقاً بين التشاؤم واستقراء الواقع..

واعلم أن زعزعة الأمل في النفوس مشكلة، ولكن افتعاله أيضاً كارثة.