ما إن ودعنا جنادرية العام الماضي بكل تفاصيلها إلا ونستقبلها في دورتها الثانية والثلاثين بثوب مغاير ولمسات رائعة توحي بأن ابنة الصحراء متجددة، وباتت تشرق نفسها من رياض الحُب والسلام رياض العشق والغمام عز شتاء تظهر به الجنادرية التي عادت بشبابها وبدرها ونجومها في ليلة كبيرة تنتظر أن يزفها عرابها وداعمها منذ زمن برعايته الكريمة خادم حرمي هذه البلاد وملك حزمها سلمان بن عبدالعزيز «حفظة الله».

بعد أن غاب أوبريت الوطن الذي امتد خلال العقدين الماضيين وتوقف في أواخر سنواته يعود اليوم بجمال وصف كاتبه (مهندس الكلمة) ومداعبها سمو الأمير بدر بن عبدالمحسن تحت شعار «أئمة وملوك» في عمل ضخم يجسد معنى محبة الوطن ويرسم تاريخ المملكة في مخيلة كل مواطن سعودي، إنها ليالي الجنادرية تطل علينا فلم تزدنا إلا محبتها، وحين يأتي ذكر (الجنادرية) تقفز إلى الذهن مباشرة ليالٍ من الاحتفاء بتاريخ ومنجزات وممتلكات هذا الوطن الشامخ ورجالاته الذين تفخر بعراقتهم وأصالتهم وعشقهم المتوارث.

المهرجان الوطني للتراث والثقافة يترجم نفسه كثيراً حتى في مسماه (الجنادرية) لم يكتف بعد فهو المسودة التاريخية التراثية العربية وبالأخص السعودية والمدرسة الثقافية التي تزرع عقولاً متمكنة وناضجة تحقق آمال الوطن وتبني صروحه، وتعجل برؤيته المستقبلية الشامخة نحو مجدٍ عامر، وهذا العمر المديد للمهرجان العتيد الذي يتناغم ويتجادل فيه التراث والماضي مع الثقافة المعاصرة، قد أصبح اليوم أحد المعالم الحضارية؛ لما يتضمنه ويستهدفه من ترسيخ للوحدة الوطنية والذاكرة التاريخية بما تحمله من تراث غني متنوع، وأحداث تاريخية مفصلية أسست هذا الوطن الواسع والمترامية أطرافه وجعلته كالقارة، فقد تعددت المهرجانات واختلفت في مشارق الأرض ومغاربها، وظل هذا المهرجان محافظاً على جودة مقتنياته، محدثاً العالم أجمع أن التراث هو من يصنع الحضارة، وكلاهما لا يضيعان بل يتطوران معاً في أروقة الجنادرية، ويُعد النشاط الثقافي من أهم الفقرات التي يقدمها المجتمع والمفكرون والإعلاميون فهم على موعد مع أهم الجوانب التي يُقدّمها مهرجان الجنادرية، والذي يضم عدداً من الندوات والمحاضرات والأمسيات الشعرية، ففي كُل جنادرية نجد هذه الفعاليات الثقافية، والتي يشاركها عدد من العلماء والأدباء العرب من داخل المملكة وخارجها.

شاهدت بعيني جهود الأوفياء نحو إظهار الجنادرية بلوحة مشرفة، ففي الكواليس رجل يكنى بابن عياف اجتهد كثيراً ووقف صامداً بجوار كل جدار في هذا المهرجان ملبياً كل ما يحتاجه، الأمير خالد بن عياف وزير الحرس الوطني يبذل جهوداً كبيرة من أجل التسهيل على الحرفيين المشاركين والزوار، ويضرب أروع الأمثال في فن التعامل مع جميع طواقم العمل المنظمة والمشاركة.