ونحن نودع شعلة السراج نتساءل: لماذا نهمل رموزنا ولا نسوّق لهم؟ فلو كان هذا الرجل قد حصل على حقه، لكان في مصاف الملحنين العالميين الخالدين، ولكان العالم كله انتبه إلى خصوصية الأغنية السعودية بما لها من غوص في عمق الموروث الشعبي من إيقاعات ومسارات لحنية..

لن يأفل سراج أضاء جنبات الوطن، وحمل مشعل الوجدان الوطني حينما غنى «بلادي بلادي منار الهدى» فأصبحت نشيداً وطنياً حماسياً يلهب القلوب ويثير المشاعر، لما تركته في الوجدان الجمعي حينها وحتى الآن.

إنه صاحب الصوت الشجي، كما أنه ومن أبرز الملحنين العرب، فهو عضو جمعية الملحنين والمؤلفين الموسيقيين في باريس، وملحن أوبريت مهرجان عكاظ الذي كتب كلماته سمو الأمير خالد الفيصل، كما أنه قد أعاد توزيع النشيد الوطني للمملكة. كما أن هذا الرجل لم ينكب على التلحين والتأليف الموسيقي فقط، بل كان معنياً بالثقافة والفن، فقد كان أحد المؤسسين لجمعية الثقافة والفنون ومديراً سابقاً لفرعها بجدة.

كنا فيما مضى تُلقى على مسامعنا ألحانه على ما يسمى جهاز (البيك آب) وكنا نسميه (البَكَم) قبل ظهور المسجلات، فتكوَّن وجداننا على ألحانه وبُزَّت مشاعرنا على مغزله؛ فمن منا لا يذكر نشيد بلادي بلادي منار الهدى والذي أصبح نشيداً وطنياً، وحين استمع الملك فهد - رحمه الله - أمر بإذاعته في الإذاعة وفي التلفزيون حينذاك. لحن أغنية مقادير لطلال المداح واغراب والله يرد خطاك، وما تكون لنا صاحب وخل العيون عنك تقول، وأيضا لمحمد عبده ياحبيبي انا استنا، وياروابي نجد، ولعبدالمجيد عبدالله اه يا الرياض، كما لم تقتصر ألحانه على التراث الشعبي السعودي بل امتدت إلى خارج الوطن فلحن لوردة الجزائرية ولهاني شاكر والعديد من المطربين العرب.

رجل صاغ الوجدان الجمعي، وللكلمة مسارها كما أن للألحان أيضاً مسارات ومدارات في التأثير على الوجدان، ولذلك تربى جيل بأكمله على ألحانه التي كنا صغاراً نستمعها ونرددها ولم نكن نعرف حينها سراج عمر، فكان السبق خالد الذكر لألحانه وللتراث السعودي الذي تركه لنا.

والآن وبعد أن انتهيت من الدراسة الأكاديمية نظرت عن بعد بغير تلك النظرة السابقة، نظرت للأغنية السعودية بعين الأكاديمية فوجدت تلك الهالة الكبيرة للأغنية السعودية والتي أسسها سراج عمر!

ونحن نودع شعلة السراج نتساءل: لماذا نهمل رموزنا ولا نسوّق لهم؟ فلو كان هذا الرجل قد حصل على حقه، لكان في مصاف الملحنين العالميين الخالدين مثل موتسارت وساليري وغيرهم، ولكان العالم كله انتبه إلى خصوصية الأغنية السعودية بما لها من غوص في عمق الموروث الشعبي من إيقاعات ومسارات لحنية، فسراج لم يتخل عن موروثه وهذا سر نجاحه لأنه اقترب من الوجدان الجمعي لبلاده فاختارته مسامع الناس قبل عيونهم، وهو من اهتم في موسيقاه بلون الدانة، ولون المجرور، وكذلك الألوان الحجازية ومن منا لم يستمع لأغنية «مرتني الدنيا بتسأل عن خبر» التي غناها الفنان الكبير محمد عبده وكتبها الأمير بدر بن عبدالمحسن. نتساءل: لماذا نهمل مبدعينا فلا يعرفهم سوانا هذا إن عرفناهم؟ ولمَ نترك العالم يؤرخ ويؤطر ويسوق لمبدعيه فنبدو متراجعين عن الركب، وكأننا لسنا جزءاً من هذا العالم ونتساوى معه إن لم نكن نحن الأفضل؟ ألم نترك جيلاً جديداً لمرتع مايكل جاكسون والآن إلى نوع يطلق عليه أغاني المهرجانات؟ ألا نعلم أن الولايات المتحدة قد أنشأت كبسولة تحت سطح الأرض مجهزة بكل تجهيزات الحفظ والتبريد وما إلى ذلك لتحتفظ بنسخة من كل عمل إبداعي وليس على مستوى الولايات المتحدة فحسب وإنما على مستوى الإبداع العالمي قاطبة، لأنها تعلم قدر العمل الإبداعي الذي هو هبة من الله عز وجل دون سواه، أليس هناك من غيرة على الوطن وعلى الموروث الذي أُوعز للجيل الجديد أنه ضرب من ضروب الماضي المجهل الرجعي؟ أين الجهات المعنية من رموزها الذين يحتفي بهم العالم ولا أحد يعرفهم في بلادهم؟

ألم نسمع عن مصطلح القوى الناعمة إبان الهجمة الشرسة على وطننا العربي؟ أولا نعلم أن الأغنية الشعبية لها نصيبها الكبير في التأثير والتأثر من هذا النوع من القوى الناعمة والتي أصبحت سلاح الردع أمام حروب الجيل الرابع والخامس؟ لماذا هذه النظرة الدونية للفن وللأغنية في بلادنا، ألم يستقبل الأنصار رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام بأنشودة «طلع البدر علينا من ثنيات الوداع» وكيف خلدت هذه الأنشودة عبر الزمن لأنها تحمل فكراً رادعاً وسلاحاً لغوياً في وجه الكفار من أهل قريش، ألم تحمل هذه الأغنية فكراً ينم عن أهل بلده وموطنه، ثم لماذا تصطحب الجيوش الطبول في غزواتهم؟ لأنها تؤثر في وجدان الجيش بالحماسة وبالقوة وفي نفوس الأعداء بالرعب والرهبة. هذا هو تأثير الفن الذي تتدنى النظرة إليه وإلى ممتهنيه، فإذا ما سألنا في بلادنا عابر سبيل عمن هو سراج عمر سيعاجلنا بأنه لا يعرفه، بينما هو يعرف مقادير وبلادي بلادي منار الهدى... إلخ..

كلنا نحن العرب نهمل رموزنا، ولا نعتز بهم إلا حينما يفارقوننا فيعيشون هناك خلف أسوار منازلهم وربما يكون منهم كثير من المعوزين!

وفي ضوء هذه النهضة السعودية وهذا البناء في كل شيء يجب أن نبني الفن ونقدر المبدعين ونهتم بالتراث وبالموروث الشعبي لكي يتساير الركب مع مشروع 2030 ولكي يكون التطوير في البشر قبل الحجر ولكي لا يكون الفن مجرد ترفيه!