جاءت اليابان إلى العالم على وقع فكرة محاطة بالاحتمالات ولكنها تصنع صورة مستقبلية مثيرة فكرة اليقظة والانبعاث، فالقدرة على استشراف المستقبل واتخاذ الخطوات في الحاضر استراتيجية قادة التفكير في التاريخ، وكان أحدهم في ذلك الوقت بـاليابان..

في فترة التسعينات الميلادية كنا مجموعة من الطلاب نحاول أن نتنفس أجواء الجامعة، كنا نتحلق حول موائد النقاشات والأحاديث المختلفة، وكنا نستقي نقاشاتنا وأحاديثنا من موضوعات تخصصنا الدراسات الآسيوية وأحيانًا من قضايا المجتمع الجامعي.

كان قسم الدراسات الآسيوية بجامعة Seton Hall سيتن هول بمدينة ساوث أورنج بولاية نيوجرسي في الولايات المتحدة الأميركية منفتحاً على منطقة آسيا وبالذات الصين والهند واليابان، وكان يستقبل وفودًا طلابية جاؤوا من تلك الدول أو من غيرها من دول المنطقة، ويبدو لك المشهد وكأنك في إحدى الجامعات الآسيوية.

في بعض الجامعات الأميركية تنتظم المجموعات الطلابية في نقاشات مختلفة، فنقاشات الكافتريا تقليد جامعي قديم وعريق وهو مكون مهم من مكونات الحياة الطلابية الجامعية وجزء من التراث الجامعي الغربي وله طعم خاص نابع من خصوصيته وموضوعاته.

كانت النقاشات تفسر الأحداث والمواقف من وجهة نظر طلابية ولا يترتب عليها أي نتائج، تتجاوز المحيط الجامعي وكان يسودها تبادل وجهات النظر، ويمكنك من خلال حلقات النقاش العلمي الغوص داخل أفضل العقول الطلابية.

كانت نقاشات الكافتريا أحد الأشياء الجامعية الممتعة لي، وكنت أشعر أن تجربة الصداقات العلمية الطلابية من أعمق الصداقات، وعندما أعيد التفكير في تلك الحلقات والنقاشات العلمية أكتشف أنها غيرت منهجيتي في كثير من الأشياء، وكان علي في ذلك الوقت تصحيح كل شيء أو معظم كل شيء أو أن أبدأ من جديد.

في تلك النقاشات تنفتح على عوالم جديدة من الرؤى والتصورات، وتتولد لديك أفكار تلقائية توسع مدارك عقلك، لقد أدركت من واقع تلك الموائد الطلابية العلمية أن النجاح يكمن في الوقت والمعرفة، وأدركت أيضًا أننا اليوم نعيش في أرقى العصور الإنسانية، عالم رائع من الفرص والمزايا والإمكانات والموارد، ولا شيء غير الوقت والمعرفة وقوة العزيمة لتتحقق أحلامك.

كانت نقاشاتنا الجامعية ذات طابع علمي تحليلي ممتع وأحيانًا فلسفي، وكان تخصصنا العلمي الدراسات الآسيوية يحيل نقاشاتنا إلى ندوات فكرية، كان زملاؤنا اليابانيون يثرون نقاشاتنا بالحديث بحماس عن التجربة اليابانية أو التحول الحضاري الذي شهدته اليابان، كان نقاشًا عفويًا، وفي هذا الإطار أود الاعتراف بأني واحد من أشد المعجبين بحياة الطالب الياباني وما يحققه من نتائج مذهلة.

في إحدى حلقات نقاشنا بادر زميلنا الياباني حديثه عن التحول الحضاري الذي حدث في اليابان، استهل حديثه بجملة فلسفية شدتنا إليه، كان يقول: إن أعظم الأفكار أن تكون واضحًا وضوحًا مطلقًا بشأن قيمك وقناعاتك الخاصة، إن ما يعانيه الواحد منا من إحباطات ناتج عن انحرافنا عن الأفعال التي نعرف أنها الصواب، فنحن بحاجة إلى ثلاث قيم: الوقت والمعرفة والنزاهة.

كان البعد الفلسفي حاضرًا بعمقه الآسيوي في حديث زميلنا وتصاعد به الحديث في رحلة البحث عن الذات اليابانية.

لقد ظلت اليابان على مدى سنوات طويلة تحاول أن تصنع تحولًا لواقع جديد وخلال فترات من التخيل والتفكير ونسج الفرضيات تجاوزت عتبة العصر الحديث.

فالحديث عن اليابان ليس حديثًا عن قائمة من المعلومات أو الفلسفات أو عوالم التكنولوجيا الحديثة فحسب، ولكن الأهم أن يصير العلم والفلسفة والتكنولوجيا قيمة إبداعية في حياة اليابانيين.

إن نظرية تطور اليابان تصور حضارة إنسانية تتقدم على مرحلتين: مرحلة العزلة الطوعية غير الكاملة عن العالم وكانت تهيئة للمرحلة اللاحقة.. ومرحلة التوسع العالمي الشمولي.

فالنزعة اليابانية إلى التبدل والتغير هي التي صنعت كل ما كانت عليه اليابان اليوم، وكل ما يمكن أن تكون عليه اليابان فيما بعد اليوم.

جاءت اليابان إلى العالم على وقع فكرة محاطة بالاحتمالات ولكنها تصنع صورة مستقبلية مثيرة فكرة اليقظة والانبعاث، فالقدرة على استشراف المستقبل واتخاذ الخطوات في الحاضر استراتيجية قادة التفكير في التاريخ، وكان أحدهم في ذلك الوقت بـاليابان.

قاد ذلك الأمير الياباني مرحلة التحول الحضاري؛ إذ كان اللحظة الحاسمة في درج الصعود الياباني، التفت الرجل إلى حاضر بلاده فلم يجد غير نظام إقطاعي وفلسفة محدودة الآفاق.

كانت اليابان في ذلك الوقت نهبًا للإقطاع ومسرحًا للمغامرين، وكانت الجزر في منأى عن العالم.

أقام فكرة التحول الحضاري على الابتعاث أو بمعنى أدق الاقتباس من عناصر الحضارات الأخرى، نقل مفاصل التراث الصيني من علوم وفلسفات وفنون وعادات وسلوك وطقوس وأديان وطريقة الكتابة إلى اليابان.

وفي زمن آخر دخلت اليابان في تحدٍ جديدٍ واجهته بنجاح، هذا التحدي تمثل في تفعيل التقنية الغربية في الجذر اليابانية، والذي تكلل بنجاح نادر أوصل اليابان إلى السيادة العالمية.