في موسم الحج لعام 317 هجريا؛ فاجأ أبو الطاهر القرمطي الحجاج وهجم عليهم بجيشه وقتل أكثر من 30 ألفا من الحجاج داخل الحرم المكي، وبعد أن انتهى القتال أمر أبو الطاهر أن تردم بئر زمزم بجثث القتلى، واقتلع الحجر الأسود، وأرسله إلى هَجَر وقتل عددا كبيرا من الحجاج، وحاولوا أيضا سرقة مقام إبراهيم ولكن أخفاه السدنة، ولم يكن ذلك إلاّ لأنّ القرمطي يريد فرض الحج إلى الجش بدلاً من مكة، وحاول فرض الأمر على المسلمين.. اليوم وبعد قرون يحاول البعض تسييس شعائر الحج والعمرة بمطالبة تدويل الحرمين، ولو كان الأمر بيدهم لفعلوا فعل القرمطي موجهين الحجيج إلى غير مكة، ولأن الواقع تغير واختلف لجؤوا إلى حيلة الماكر الضعيف؛ الكذب، مدعين تقصير المملكة في خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما من الحجاج والمعتمرين والزوار.

وذكر رئيس جامعة الأزهر السابق أ. د. أحمد حسني أنّ الجهود المشهودة التي تقوم بها المملكة في خدمة الحرمين الشريفين، أمر بارز ومعلوم لكل من تطأ قدمه هذه الأماكن الشريفة؛ حتى أصبحت بجانب قدسيتها تلهم العالم بتطورها ومقدار الأمن والأمان وتوافر جميع الخدمات، وبزيارتها بين الحين والآخر نجد في كل زيارة جديداً يضاف لجهود خدمة قبلة المسلمين ومسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم-.

وأكد أنّ منْ ينكرون الجهود التي تبذلها المملكة في خدمة الحرمين الشريفين ليسوا سوى شرذمة من الجاحدين والحاقدين تنكر واقعاً ظاهراً للمسلمين في شتى بقاع الأرض، معتبرا أنهم مدفوعون بأجندات سياسية على حساب الدين والأوطان، ويسعون في محاولة تسييس وتخريب فرائض المسلمين الذين يجتمعون من شتى بقاع الأرض في مكان واحد وحول هدف واحد، ودون تفرقة بين أحد، ولا بين مواطني دولة أو أخرى في مشاهد سنوية تبهر العالم أجمع.

وشدّد على أن الحرمين الشريفين خط أحمر، وليسا طرفاً في سياسة أو أخرى، ومن يحاول إقحامهما في ذلك؛ فيرتكب ذنباً عظيماً، ويكون على خطى أبرهة الأشرم الذي حاول هدم الكعبة، مضيفاً أن خدمة الحرمين الشريفين هي خدمة للدين والمسلمين من الجنسيات المختلفة سواء حجاج أو معتمرين أو زوار.

مخططات خبيثة

وقال الداعية الإسلامي الشهير ورئيس قسم الإعلام بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر د. محمد وهدان: "أُشهد الله -سبحانه- أن المملكة تبذل جهودا عظيمة من أجل خدمة الحرمين الشريفين، وأنا بحكم عملي أديت فريضة الحج أكثر من مرة، وفي كل مرة أزور فيها الحرمين الشريفين أجد خدمات جديدة ومتنوعة؛ للتيسير على الحجاج والمعتمرين، وما نراه الآن من توسعات وخدمات ما هو إلا امتداد لنهج ملوك السعودية الراسخ في رعاية الحرمين الشريفين منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز -رحمه الله-.

وأكد د. وهدان على أنّ دعوات تدويل الحج، لا تعد سوى مخططات خبيثة تحاول النيل ليس من المملكة فحسب بل من الأمة كلها، موضحاً أن مثل هذه المخططات لا تريد بالأمة خيراً بل تخدم الفرقة والشقاق في صفوف المسلمين، وتزيد من التطرف، وتعبث بفريضة الحج الآمنة التي لا تعرف سوى العبادة والارتواء بالدعاء والوحدة بين جموع المسلمين تحت هدف واحد ومنبر واحد.

وأضاف أنّ المملكة على مدار تاريخها لم تنتظر مقابلا من أحد على جهودها العظيمة في خدمة الحرمين الشريفين، وتستقبل المسلمين دون تفرقة، كما أن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز يسخر كافة إمكانيات المملكة البشرية والمادية؛ من أجل خدمة حجاج بيت الله الحرام، كما أن الآلاف من رجال الأمن السعوديين لا يحتفلون مع ذويهم بعيد الأضحى، من أجل تأدية واجبهم في تأمين ورعاية وتلبية احتياجات الحجاج.

أيديولوجيات سياسية

وقال الأستاذ بقسم التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر د. عبدالحميد موسى إن الحرمين الشريفين هما أفضل البقاع على وجه الأرض، وأقدسها في نفوس المسلمين على اختلاف جنسياتهم ومذاهبهم ومشاربهم، ومن هذا المنطلق فلا يخضعان لأي تجاذبات أو أيديولوجيات فكرية أو سياسية.

وأكد د. موسى أن المؤسس الملك عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- جعل خدمة الحرمين الشريفين في دستور المملكة، حيث ينص النظام الأساسي للحكم في المملكة على ذلك، وعندما دخل إلى مكة المكرمة سنة 1343ه‍ ، فقد أمر بإعادة ترميم وتعمير وتوسعة الحرمين الشريفين، وأرسى دعائم الأمن بالمشاعر المقدسة لتأمين الحجاج والمعتمرين، بعدما كانت شبه الجزيرة العربية تعاني من الفوضوية، وكثرة اللصوص، وعدم الاستقرار، حتى أن بعض القبائل كانت تفرض رسوماً مادية على الحجاج، موضحاً أن الملك عبد العزيز بدّل الله -تعالى- به فرقة الجزيرة إلى وحدة، وعمل على نشر العلوم الشرعية بين السعوديين والزوار، واستطاع أن يقضي على الخرافات والبدع في أطهر بقاع الأرض، وعين أميراً لمكة المكرمة وهو نجله الملك فيصل -رحمه الله-، وأنشأ إدارة مختصة بالأمن من أجل الحفاظ على أمن واستقرار العاصمة المقدسة.

وأضاف أن أبناء المؤسس من ولاة عهد المملكة ساروا على نهجه في خدمة الحرمين الشريفين على مر العقود الماضية؛ فواصلوا أعمال التوسعة والبناء، وحفظ الأمن، وبذلوا جهوداً جبارة للعناية بالحرمين الشريفين فيما يتعلق بالجوانب الأمنية والعلمية والمعمارية؛ لخدمة الحجاج والمعتمرين والزوار والتسهيل عليهم، وعملوا على الحفاظ على السنة النبوية الشريفة في ثوبها الصحيح، من خلال علماء متخصصين يبينون الحقائق للناس، ويزيلون أمور الجهل والخرافات، كما تم إنشاء مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الذي طبع مصاحف طافت العالم كله، وحفظت كتاب الله -سبحانه وتعالى-.

وتابع: "ملوك المملكة حققوا أمل المسلمين في خدمة الحرمين الشريفين، كما أن المملكة حالياً بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز تقود الأمة الإسلامية، وتدافع عن الإسلام ضد الأعداء والمتطرفين، ولا يمكن أن يزايد أحد على إنجازاتها في خدمة ورعاية وحفظ الحرمين الشريفين".

د. عبدالحميد موسى
د. محمد وهدان
د. أحمد حسني