قائد طيار، أحب الطيران وعاش تجربة لحظاته المثيرة بقيادة كل أنواع الطائرات من طائرة "داكوتا" و"دي سي 9" و"الكونفير" و"ترايستار"، و"بوينج"، بدأ حياته منذ ولادته عام (1355هـ) الموافق (1936م) من الطرف في الأحساء إلى مكاتب وميادين شركة أرامكو التي عمل فيها منذ مرحلة شبابه المبكر حيث كلف بتعليم الموظفين الأميركان اللغة العربية وساعدته سنوات عمله في أرامكو على إجادة اللغة الإنجليزية باللكنة الأميركية والتحق حينذاك بدورة تدريبية بصيدا بلبنان، وشهد أثناء عمله في أرامكو المطالبة بتحسين فرص العمل والعمال السعوديين تلتها مرحلة العمل كمدرس للغة الإنجليزية في إحدى قطاعات وزارة الداخلية كما يقول رفيق دربه القائد الطيار جزاع الشمري وفي أواخر السبعينات الهجرية الخمسينات الميلادية التحق بالخطوط الجوية العربية السعودية، وهناك بدأ الطلاب السعوديون دراستهم في مدرسة الطيران بجوار سكن موظفي الشركة الأميركية TWA التي كانت تدرب الطلبة السعوديين أمام مقر فندق الكندرة بجدة، وكان ذلك عام (1959م)، ولأن الدفعة لم تكتمل فقد ظلت المدرسة تقبل الطلبة الذين تجاوزوا اختبارات التعيين التي أجريت في المنطقة الشرقية ولذا فقد تم تقسيم الطلبة إلى قسمين (A) وهم الدفعة الأولى الذين التحقوا بمدرسة الطيران بعد فتح باب القبول مباشرة وبعد بضعة أشهر استقبلت المجموعة الثانية وهم الدفعة (B) وكان القائد الطيار أحمد مطر من الدفعة الأولى وكذلك زميله الطيار أحمد سايس، أما الطيار جزاع الشمري فكان في الدفعة الثانية (B).

وصف أحمد مطر بأنه الرجل المناسب للمرحلة، لاسيما عندما تولى منصب مدير عام الخطوط السعودية، وكان بالفعل عند حسن الظن، وارتقت الشركة في عهده لمصاف أكبر شركات ‏الطيران العربية، وهذا مجمع عليه لا سيما وأنها مرحلة جني ثمار الطفرة الاقتصادية الأولى التي مرت بها البلاد، ولا شك أيضاً أن الخطوط العربية السعودية عانت آنذاك من التذاكر المجانية وأوامر الإركاب، التي راكمت هموم ومصاريف الخطوط، كما أن توليه منصب مدير عام الخطوط تزامن مع وقوع أكبر حادثة طيران في تاريخ الخطوط السعودية حيث احترقت طائرة رحلة رقم (163) التي كانت تحدياً كبيراً وحدثاً جللاً، عجل مضاعفة العمل على كافة الأصعدة لتطوير وتحسين خدمات الخطوط.

رجل طيران من الطراز الأول.. حلّق في قلوب محبّيه ووضع بفكره «الخطوط السعودية» في مصاف الشركات الكبرى

موقف نبيل

عرف أحمد مطر بأنه صاحب شخصية إداريًة فذة، إلى جانب إلمامه بشؤون إدارته ومستجدات عمله، أما على المستوى الاجتماعي فكان رجلاً فريداً، إذ منحه الله قدرة على توزيع أوقاته، فهو على الرغم من مهام عمله كمدير عام للخطوط السعودية، إلا أن تواجده في المناسبات الاجتماعية، كصلة الارحام وزيارات للمرضى وحضور للجنائز، وتبادل التهاني والتعازي والزيارات البينية، -كل ذلك- كان جزءاً من شخصيته، وهي مبادرات وصفات يجمع زملاؤه ورفاق دربه على تميزه بها، فعلى رغم كونه مديراً عاماً لمؤسسة وطنية كبرى، إلا أنه كان السبّاق دائماً لحضور المناسبات الاجتماعية، بل أنه كان المبادر لإخبار موظفي إداراته بمناسبات زملائهم الذين يجاورونهم في مقار عملهم، بل كان يسبقهم بالمبادرة والزيارة، كما ذكر عنه زميله ناصر المنصور حكايات وقصصاً تدلل على أن هذا كان من طبعه وسجيته، وأبداً لم تكن هذه الخصال لتأتي تكلفاً أو أداءً لواجب رسمي، كما يقول رفيق دربه القائد الطيار أحمد سايس، ويقول القائد الطيار المعروف جزاع الشمري أن أحمد بن خليفة مطر كان رجل المرحلة وهو على معرفة به منذ عام (1380هـ) حيث درسا بمدرسة الطيران بجدة، ويسترسل الطيار جزاع الشمري حديثه عن زميله واصفاً إياه بأنه الرجل النزيه المخلص لعمله وأداء واجبه المنوط به ورجل مكافح وقيادي لا تفرق بينه وبين مرؤوسيه أدباً وتواضعاً منه، كما أنه رجل فريد في علاقاته الاجتماعية، بل كان يسابق بالاعتذار إلى أولئك الذين يخطئون بحقه كما يروي زميله زهير الذهيبي عن موقف حصل له معه، ويكشف الكاتب قينان الغامدي عن موقف حيث إنه شاهد بنفسه الكابتن أحمد مطر وهو يترك مقعده في الدرجة الأولى وينتقل إلى الدرجة السياحية من أجل أحد الركاب، دون أن يعلم ذلك الراكب حتى اليوم أن ذاك الرجل هو مدير عام الخطوط السعودية، وقد آثره بمقعده تقديراً لمحاولته الحصول على مكان في الدرجة الأولى ولم يكن ذلك متاحا فاقتنع بمقعد متاح في الدرجة السياحية لكنه وصل إلى كبينة الطائرة وهو غاضب من الوضع، فأرضاه أحمد مطر وتنازل له عن مقعده بإصرار.

وبشهادة الجميع كان محبو أحمد مطر بعد التقاعد أكثر من محبيه قبله، لم لا؟ وهو من أخلص في عمله، وحرص على مصلحة موظفي إداراته، فحفظوا له الجميل، حتى أن منهم من أطلق عليه لقب "أبو الطيارين" و"أبو الخطوط"،

في عام ‏‏1959م ‏تخرج أحمد مطر مساعدا على طائرات الداكوتا عام 1960م وكان ترتيبه الأول، ثم ‏حصل ‏على شهادة طيار تجاري عام 1963م، ما دعا إدارة المؤسسة لابتعاثه ‏إلى ‏الولايات المتحدة ليحصل على شهادة طيار جوي من منظمة الطيران ‏الأميركية، ‏التي تعتبر أعلى شهادة في حقل الطيران، إلى أن ابتعث مرة أخرى عام ‏‏1965م للتدريب ‏على طائرات البوينج وحصل أيضا على شهادتها، كما حصل في ‏العام الذي يليه على شهادة ‏التخصص في طائرات دي سي 9 كأول سعودي ‏يتخصص في هذا النوع من ‏الطائرات، وعين لاحقًا للتدريس والتعليم على طائرات ‏البوينج في عام 1970، ومُنح شهادة ‏أخرى من منظمة الطيران الأميركي للتدريب ‏على طائرات "ترايستار"‎، وفي مطلع عام (1400) تم تعيين القائد الطيار أحمد بن خليفة مطر بمنصب مدير عام الخطوط الجوية العربية السعودية، ‏وهو المدير السادس في سلسلة مديريها، والأطول مدة في تولي المنصب، شغل قبلها منصب نائب المدير العام ‏لشؤون ‏العمليات، وقاد المؤسسة لمدة 14 عاماً حتى طلب التقاعد في ‏العام ‏‏1414هـ‎.‎‏ ‏

ابن القرية

نشأ أحمد مطر في قرية الطرف، وأجاد كأحد أبناء الوطن الذين شرفوه في المحافل الإقليمية والدولة، حيث استطاع أن يقود الطائرة العملاقة، وأحد أبناء الوطن المخلصين الذين تخصصوا في مجال الطيران ‏في بلادنا، حقق نجاحات للخطوط السعودية وضعتها في مقدمة خطوط الطيران التجاري على المستوى ‏الإقليمي والعالمي، ويصفه الكاتب خليل الفزيع، بأنه رجل طموح ورائد من رواد الطيران التجاري، تلقى تعليمه وتدريبه ‏على الطيران في الولايات المتحدة الأميركية لينال أعلى الدرجات، ويتدرج في ‏الخطوط السعودية ليتوج جهده واجتهاده بمنصب المدير العام لمدة 14 ‏عاما إلى إن طلب إحالته للتقاعد، دون أن تنقطع علاقته بزملاء المهنة ومع ‏أنه كان المدير السادس لهذه المؤسسة العملاقة إلا أن عهده شهد تطورا ملحوظا ‏لها، فهو ابن الطيران منذ تخرجه مساعد طيار لطائرات ‏داكوتا وبرتبة متقدمة على زملائه حيث كان الأول بينهم، إلى أن أصبح طيارا ‏ومدربا على طائرات بوينج وترايستار، وكان أحمد مطر يحظى بعلاقات اجتماعية واسعة وكانت دائرة أصدقائه وزملائه كبيرة، وما زاره أحد في منزله بجدة، إلا ‏وجد مجلسه عامراً بالأصدقاء بعد تقاعده كما كان قبل التقاعد وربما أكثر، وقد تحدث كثيرون ممن عملوا معه عن دقته في العمل، ‏وانضباطه في الإدارة، كما كان مهتما ‏بالصحافة والصحفيين ويرى أن الصحافة مرآة الواقع والمجتمع، وأن نقدها ‏البنّاء هو إحدى الوسائل الناجعة لعلاج الخطأ وتعديل المسار، وقد روى زميله د. سعد الناجم مواقف دللت على أنه –رحمه الله- كان يكتب في الصحف الأجنبية حين كان موظفاً في شركة أرامكو، كما أن له كتاباً يحكي فيه مذكراته في الطيران ومشوار حياته منذ البدايات الأولى ‏بيد أن هذا الكتاب لم ير النور حتى يومنا هذا.

أول تصريح

في أول تصريح لأحمد مطر بعد تعيينه مديرا عامًا للخطوط السعودية، في 16/2/1400هـ الموافق 4/1/1980م، أعلن عن صرف إعانة 300 ريال، لتسهيل تنقلات المواطنين داخل المملكة، للرحلات الداخلية، وأضاف أن الخطوط أنشئت لخدمة الشعب السعودي، ولضمان انخفاض كلفة التذاكر، لأن الخطوط ليست مؤسسة لجني الربح، وأشار إلى أن حوالي 70% من حركة النقل الجوي للخطوط رحلات داخلية، كما أن النمو الاقتصادي يسبب زيادة مطردة في عدد الركاب، الذي ارتفع خلال سنة واحدة فقط، من 3 إلى 6 ملايين راكب. وبَيّنَ أن هذه الزيادة والرغبة في توسيع نطاق خدمات الرحلات الدولية والإقليمية، والرحلات المباشرة إلى الولايات المتحدة، دعت إلى التخطيط لزيادة عدد طائرات أسطول الطيران المدني، وبالاتفاق مع شركة "بان أميركان"، أعطيت الخطوط السعودية حقوق طيران إلى الولايات المتحدة، وأكد مطر في تصريحه أن موقف الخطوط السعودية رائد في الشرق الأوسط بالنسبة لحركة النقل الجوي على النطاق الدولي، وسيصل عدد طائراتها إلى 70 طائرة بحلول عام 1981، بما في ذلك 6 طائرات جديدة من نوع بوينغ 747 و5 طائرات ترايستار، للإسهام في النهضة الكبرى التي كانت تأخذ مجراها في المملكة، والمساعدة في الوفاء بالاحتياجات المتزايدة للخدمات الجوية. وأضاف أنه على الرغم من إلغاء خدمات الدرجة الأولى على طائرات الجامبو 737 إلى المناطق النائية، فسيحتفظ بنظام العمل بتذاكر الدرجة الأولى للرحلات التي تنظم لربط المدن الكبرى بعضها ببعض، مثل جدة والرياض والظهران، موضحا أن نظام الدرجة الأولى قد خضع لدراسة مكثفة، ولاستعراض آراء الركاب بشأنه، مشيدا بجهود سلفه الشيخ كامل السندي، وأنه فخور بالتقدم الذي أحرزته المؤسسة بتوجيه الأمير سلطان -رحمه الله- وزير الدفاع والطيران آنذاك، معربًا عن أمله في استمرار العمل مع زملائه لتحسين مستويات الخدمة في الشركة.

تكليف المسؤولية

ويقول د. سهيل قماش أنه تعامل مع أحمد مطر عندما كان مديرًا عامًا للخطوط، وكان يناديه بـ "الكابتن" بدون ألقاب، حتى أن زملاءه لاموه لعدم استخدامه ألقاب التفخيم اللازمة، إلا أنه -رحمه الله- لم يعترض على ذلك. ويضيف أنه كان يعمل صباحا ومساء وأيام العطل، وأنه تعلم منه النظام والالتزام، وكان يقول له "إن المسؤولية تكليف وليست تشريفًا"، وتعلم منه حب العمل، والأدب والوفاء، وكان مطر حريصا على سداد قيمة أي شيء يخصه مهما قل ثمنه، ولم يكن يقبل أي سبب لعدم الدفع وبالذات لو كان المشترى من الخطوط، وقد اجتمعت آراء كل من عمل معه أو سمع عنه أو شاهده على الاشادة به والترحم عليه، فالرجل لم يتغير، كونه في الخدمة أو خارجها هو نفس الرجل، وبوفاته فقده أصدقاؤه ومحبوه وكل من عرفه.

ويذكر ناصر المنصور أن مطر كان يحرص أشد الحرص على أن يوزع ما يزيد من علب العصائر والوجبات الغذائية الجديدة، لعمال النقل والحركة في المطارات، لاسيما وهم الذين ينقلون هذه المؤن من وإلى الطائرات ولذا كان يرى ضرورة مشاركتهم الاستفادة منها.

يقول هشام صدقة عرب أن أحمد مطر كان على اطلاع بكافة قطاعات "السعودية" ‏والتقى منسوبيها في مواقع عملهم، ولمس احتياجاتهم، وكان لا يحب الأضواء، رغم أنه يقدر رجال الإعلام، ويقدر ‏مهنية العمل الإعلامي ويتجاوب مع الجميع، فقد كان من الرواد الذين ساهموا في تأسيس الجمعية التعاونية لموظفي الخطوط السعودية بل ‏دعمها بالكثير من المواقف، وكان حريصاً على عدم إزعاج من حوله بما يريد ‏إنجازه من أعمال، كان يقف في طابور الخدمات ‏الطبية في "السعودية" مع الموظفين، ويحصل على ‏تذاكره الشخصية بنفسه، ويطلب حقه فقط، ‏كان يتواجد ‏في كل مكان بلا ضجيج، إلا أن الحضور هم من كان يسرعون للسلام عليه، وظهر حريصًا بشدة على التواجد في مختلف المناسبات لموظفي السعودية صغيرهم ‏قبل كبيرهم.

ويُذكر أنه بعد حادثة الرحلة (163) المتمثل في احتراق طائرة الترايستار في الرياض عام (1400هـ) حرص مطر أن يذلل جميع الصعاب لذوي ضحايا الحادثة بل أن أحد موظفي الخطوط كان ضمن هذه الرحلة كراكب وليس كموظف لكنه لظرف حل به لم يستطع أن يلحق بالرحلة فسافر في السيارة، وما أن وصل منزله من الغد إلا وسقطت والدته مغشياً عليها فرحاً وسعادةً بنجاة ابنها ما دعاها أن تقسم أن لا يفارقها لمدة تزيد عن شهر، وحين علم أحمد مطر بالقصة زار الموظف واطمأن عليه وعلى والدته ومنحه إجازة طيلة المدة التي حددتها والدته.

حرب أكتوبر

وصفت فترة عمل أحمد مطر مديرا للخطوط بالفترة الذهبية ودقة العمل التي تميز به طاقمه الإداري والفني، كما يقول د.سعد الناجم، وسبق ذلك تميز مطر كموظف في شركة أرامكو، قبل أن يستقيل ليذهب إلى الولايات المتحدة ويدرس الطيران المدني على حسابه ليعود طيارا مميزا هو وزميله نهار النصار كأول طيارين مدنيين سعوديين، ويلقي الناجم الضوء على البِر الذي حرص عليه أحمد مطر ببلدته الطرف، حيث قدم لها ما استطاع من دعم سواء من خلال جمعية الطرف الخيرية، أو من خلال ما ينفق عن طريق أقاربه للمحتاجين هناك، أو بشفاعته الحسنة لما يطلبه مجتمع بلدته. ويذكر الناجم رواية عن أحمد بوبشيت -رحمه الله- أن الكابتن كان يقود طائرة نقل تحمل سلاحا من إحدى الدول الأوروبية متجهًا بها إلى مصر خلال حرب 1973م بدعم من المملكة، وأرادت الصهيونية أن تفضح الأمر بأن تضرب الطائرة بصاروخ محمول على الكتف. وأثناء وجود الطائرة على المدرج قبل الإقلاع، أطلق الصاروخ فأصاب الطائرة في مكان غير قابل للانفجار ووفقاً لرواية الناجم وعند هبوط الطائرة في مطارٍ داخل مدينة القاهرة العاصمة، اكتشفوا أن الصاروخ علق بالطائرة ولم ينفجر، فحمد أحمد مطر الله على سلامة نفسه ومهمته.

الخبير هولندي

يتذكر الكاتب سعيد الغامدي أنه تعرف على القائد الطيار أحمد مطر ‏عن طريق زميله الطيار جزاع ‏الشمري، عندما كان الغامدي طالبًا للهندسة في لندن، وبعد التخرج والتحاق الغامدي بالطيران ‏المدني، اشترك مع مطر في لجنة لتحسين خدمات الملاحة الجوية بين ‏الطيران المدني والناقلات الجوية ومثلتها "السعودية" في ذلك الوقت، وكان المشرف على اللجنة الخبير "بيتر دبر وين" هولندي الجنسية، من ‏منظمة الطيران المدني الدولي "ايكاو"، وكان الغامدي في ذلك الوقت يتدرب على نظم ‏الملاحة الجوية وفنون الطيران وصناعة النقل الجوي، ومازال يتذكر نصيحة الخبير الهولندي الذي قال متحدثا عن أحمد مطر: (انظر إلى هذا الطيار ‏السعودي الفريد من نوعه، وحاول أن تتعلم منه، إن له مستقبلًا عظيمًا في صناعة ‏النقل في بلادكم). وعندما عين الكابتن ‏مطر مديرًا عامًا للخطوط، شهدت الشركة تطورًا مذهلًا في كل دوائرها، من تدريب طيارين، ‏إلى زيادة عدد الأسطول والمحطات المحلية والدولية، ورفع مستوى الأداء، وسعودة ‏معظم الوظائف الإدارية والفنية في المؤسسة، ويؤكد الغامدي على أن الكابتن مطر كان ‏متمكنًا من فهم متطلبات صناعة الناقل الجوي فنيًا واقتصاديًا ‏وتشغيليًا، وحضوره كان مميزًا بين عمالقة تلك الصناعة على المستوى الدولي، فقد كان ‏-رحمه الله- رجل طيران من الطراز الأول مهنيًا وإداريًا، قد تختلف معه على ‏تفاصيل مهنية معينة، ولكنه كان يحرص على أن تظل الأهداف والنتائج لخدمة سلامة ‏الطيران، وتحسين الخدمات حسب متطلبات الصناعة.. وكان كل من القائد جزاع الشمري، والقائد نهار النصار والقائد أحمد مطر، قد ‏عملوا في أرامكو قبل دخولهم عالم الطيران، إلا أن نهار سبقهم بسنوات، ثم تبعه بعد فترة، وعلى غير اتفاق مسبق القائد أحمد مطر ثم انضم إليهم أخيرا القائد جزاع ‏الشمري، وكلف نصار عام 1959م، مسؤولاً عن الطلاب المتقدمين لدخول دورة الطيران في ‏الخطوط السعودية مع استمراره في ممارسة عمله في الطيران، وكان مطر من بين هؤلاء الطلاب الذين أشرف ‏عليهم.

قالوا عنه

كان ممن عملوا مع الراحل، المهندس أحمد آشي الذي أكد أن الكابتن أحمد مطر كانت له بصمة واضحة في ‏تطوير صناعة الناقل الجوي في المملكة، وكانت مصلحة ‏منسوبي الخطوط وتحقيق مكتسبات لهم هو شغله الشاغل، كما حدث مع التأمين الطبي ‏لمنسوبي المؤسسة ‎كما أشاد عدد من زملاء الراحل به وبأخلاقياته وبما قدمه من تطوير أسطول الخطوط، وآلية العمل لتحقيق المزايا الوظيفية للعاملين، الذين لطالما سعى مطر لتحقيق رفاهيتهم وتحقيق متطلباتهم، كما كانت جهوده وراء ‏إقرار برنامج التقاعد الطموح الذي نفذه للمتقاعدين، وانعكست آثاره ‏الايجابية على جميع العاملين، إضافة إلى إقرار الرعاية الصحية المتكاملة للموظفين وأسرهم، وكانت أكبر بعثات طلابية ‏للتدريب على الطيران في فترة إدارة مطر الخطوط، إذ ابتعث أكثر من ‏‏800 طالب في قسم الصيانة خلاف الأقسام الأخرى. وعمل أحمد مطر على مساعدة القيادات ‏الشابة على رئاسة العديد من اللجان الدولية في مجال الطيران، وتبنى التشديد على الاهتمام بمواعيد ‏إقلاع الرحلات، حتى اعترفت المنظمات والهيئات المتخصصة بإنجازاته. وساعد مساعديه على رئاسة ‏لجان حيوية ومهمة في الهيئات والمنظمات الدولية، ولم يكن هذا لينسب له فقط بل كان لمساعديه وموظفيه دور مهم في تحقيق ذلك بشهادته هو بنفسه، لولا بعض المنغصات التي واجهتهم لا سيما فيما عرف بالتذاكر المجانية وأوامر الإركاب ولذا فقد حظي مطر بمحبة جارفة من جميع زملائه في العمل، وكل من يعرفه وتعامل ‏معه، وعند تقاعده كتب عنه ما لم يكتب عن سواه من ‏عبارات الثناء والتقدير‎. ‎

يذكر ناصر المنصور أن أحد المواطنين رفع للملك فهد شكوى مفادها حرص بعض العاملين في الخطوط على تعيين وتوظيف أبنائهم على حساب بعض المؤهلين، فطلب الملك فهد الإفادة من مدير الخطوط حينها أحمد مطر، فما كان من مطر إلا أن جمع قيادات الخطوط السعودية وأطلعهم على استفسار الملك، فنفى موظفو الخطوط حديث المواطن لكن أحمد مطر اثبت لهم صدق ما رفع به المواطن بأن عرض عليهم قائمة بأسماء بعض ذويهم، ثم كتب للملك بأن المواطن على حق وأن هذا خطأ في إدارتي وأن مسؤول عنه.

أعماله مع "السعودية"

كانت الخطوط تدار في عهد سلفه الشيخ كامل سندي بواسطة عقد مع شركة‎TWA ‎الأميركية، ونمت الشركة لمنافسة كبار الشركات العالمية وتحقيق الأرباح، ‏كما تم تحديث أسطول الخطوط بطائرات البوينغ 707 و720، ثم طائرات 200-‏‏737 وطائرات ترايستار لاحقًا، وكان عدد الموظفين في ذلك الوقت لا يتعدى 12ألف ‏موظف، إلا أنه عندما تسلم القائد مطر إدارة الخطوط، وجه بأن تكون السعودة بديلاً ‏لشركة‎TWA، وألغى عقدها، وتم رفع رواتب الموظفين وخصوصا التشغيليين، وكذلك ‏موظفي المبيعات والمواجهة، كما تم توريد طائرات ‏"جامبو" و"إيرباص" للشركة، وأنشئ قسم الشحن الجوي، وألغي عقد شركة أبو الجدايل ‏للتموين وأسس فرع تموين السعودية، كما ارتفع عدد الموظفين إلى ما يزيد على 15 ألفًا، وبرزت مشكلة أوامر الإركاب في بداية عهد الكابتن مطر والتي ‏وصلت قيمتها لمبالغ ضخمة، من الجهات الرسمية والحكومية وذلك لعدم السداد، ولم يكن ذلك يحدث أثناء تولي شركة‎ TWA ‎إدارة الخطوط، ما أوقع مطر في حرج شديد مع هذه المعضلة، وفي آخر ‏رمضان من تولي أحمد مطر إدارة الخطوط عند انعقاد المجلس الأعلى للخطوط، بعد ذلك طلب مطر الموافقة على تقاعده وكان قد طلبه مسبقاً فتم له ذلك.

معدلات للنجاح ‏

عن مدخل العناية المركزة بالمستشفى التي كان يرقد فيه مطر مريضًا، قال د. أحمد عاشور إن الحزن كان يخيم على المكان، وكان يوم وفاته حزينًا، فالجميع بكوه، وأوضح عاشور أنه تعامل مع الفقيد لمدة طويلة، أتاحت له فرصة التعرف عليه عن قرب، والتعلم من تصرفاته ‏الحكيمة والصبر وسعة الصدر والقدرة على تجاوز الأحداث والارتقاء فوق مستوى ‏الأهواء الشخصية، كما ظلت مأدبته الشهيرة ‏في شهر رمضان، تجمع المئات مسؤولين وأصدقاء ومحبين، قلما ‏تجدهم في محفل واحد‎.‎‏

وفاته

توفي الكابتن أحمد بن خليفة مطر يوم الخميس 13 ربيع الثاني1432 هـ الموافق 18 مارس 2011 في المستشفى العسكري بجدة، إثر مرض ألمّ به واستمر لفترة، في أيامه حيث سبق وأدخل أحد مستشفيات دبي، وأجريت له جراحة في الصدر، ‏ما نتج عنها مضاعفات استلزمت نقله على وجه السرعة ‏بالإخلاء ‏الطبي، إلى المستشفى بجدة، حيث استقرت حالته بعد جراحة أخرى، إلا أنها تدهورت لاحقاً وتوفي، ووري جثمانه في مقبرة الرويس في جدة، عقب صلاة العصر، حيث خلف ثلاث بنات رحمه الله رحمةً واسعة.

الملك فهد - رحمه الله - وعن يمينه الكابتن أحمد مطر
أحمد مطر - رحمه الله -
عهد الفقيد كان صفحة مضيئة في تاريخ الخطوط السعودية
قاد مطر كل أنواع الطائرات وكرس خبراته لتطوير المنظومة