ثمة رجل اعتاد أن يضرب رأسي بمظلة. منذ خمس سنوات بالضبط إلى اليوم وهو معتاد أن يضرب رأسي بمظلة. لم أستطع إيقافه في البداية, أما الآن فقد اعتدت عليه.

لا أعرف اسمه. أعرف أنه معتدل المظهر يرتدي بذلة رمادية أشيب الصدغين وذو وجه مألوف.

في تلك المرة, استدرت نحوه مستشيطا غضبا, لكنه بقي مستمرا في ضربي. سألته إذا ما كان مجنونا, لكن لم يبدو عليه حتى أنه يسمعني. هددته بإبلاغ الشرطي. لكنه ظل باردا ومتماسكا كخيارة, واستمر بمهمته. بعد لحظات من التردد, حين رأيت أنه لن يتزحزح عن موقفه, نهضت وسددت له لكمة في أنفه. سقط الرجل أرضا, تركته ينصرف وقد بدا لي يتوجّع. عاد من فوره على قدميه, وقد بدا مجهدا, ودون أن ينبس ببنت شفه بدأ مجددا الضرب على رأسي بالمظلة. كان أنفه داميا حينها, فشعرت بالأسف لأجله. شعرت بالندم على ضربه بقسوة بالغة. بعد كل ذلك, لم يكن الرجل يضربني تماما, وإنما كان بالكاد ينقرني بمظلته برفق, دون أن يسبب لي أي ألم على الإطلاق. كانت تلك النقرات مزعجة طبعا. كما نعلم جميعا, عندما تحط ذبابة على جبينك, فإنك لا تشعر بأي ألم على الإطلاق, لكنك تشعر بالانزعاج. حسنا, كانت تلك المظلة ذبابة هائلة استمرت بالهبوط على رأسي مرة بعد أخرى بشكل منتظم.

كنت واثقاً حينها أنني كنت أتعامل مع مجنون, وحاولت الفرار. لكن الرجل تبعني, وواصل ضربي بلا كلل. لذا بدأت الجري – عند هذه النقطة يجب أن أشير إلى أن معظم الناس لا يجري بمثل سرعتي – انطلق خلفي محاولا أن يضربني دون جدوى. كان الرجل يفح وينفخ غاضبا حتى ظننت أنني إذا ما استمررت بإرغامه على الجري بتلك السرعة, سيعذبه هذا وسيخر صريعا دون شك.

(2)

لهذا السبب هدأت من سرعتي في المشي. نظرت نحوه, لم يكن ثمة أي أثر لامتنان ولا عتب على وجهه. كان مستمرا فقط بضربي على رأسي بالمظلة. فكرت أن أسلمه مركز الشرطة مدعيا :

« هذا الرجل يضربني على رأسي بمظلة».

لكن ربما ستكون دعوى غير مسبوقة, وسيشتبه بي الضابط, وسيطلب أوراقي الثبوتية, وربما سينتهي الأمر بسجني.

فكرت أنه من الأفضل لي العودة إلى البيت. ركبت الحافلة رقم (67), في حين انه استمر خلفي يضربني طوال الوقت بمظلته, جلست على المقعد الأول. وقف بجانبي ممسكا بالدرابزين بيده اليسرى, واستمر بيده اليمنى يضربني دون هوادة بتلك المظلة. تبادل الركاب في البداية ابتسامات خجولة. وبدأ السائق بمراقبتنا في المرآة الخلفيّة. شيئا فشيئا تحولت رحلة الحافلة إلى نوبة ضحك عارمة وصاخبة, نوبة ضحك متواصل. كنت احترق خجلاً , واستمر جلّادي بضربي غير متأثر بالضحك.

نزلت من الحافلة - بل نزلنا من الحافلة لدى جسر باسيفيكو. مشينا بامتداد جادة سانتا في. كل من رآنا التفت ليحدق فينا بغباء. أوشكت أن أقول لهم « إلام تنظرون أيها الحمقى؟ ألم يسبق لكم أن رأيتم رجلا يضرب رجلا آخر على رأسه بمظلة؟» ولكن بدا لي أيضا أنهم على الأرجح لم يسبق لهم أن رأوا مثل هذا المنظر. بعد ذلك شرع خمسة أو ستة صبيان في ملاحقتنا ، وأخذوا يصرخون مثل المجانين.

ولكن كانت لدي خطة. ما أن وصلت إلى المنزل ، حتى حاولت أن أصفق الباب في وجهه. غير أن ذلك لم يحدث. لا بد أنه كان يقرأ أفكاري ، لأنه أمسك مقبض الباب بحزم وشق طريقه إلى جواري.

منذ ذلك الحين وحتى الآن استمر بضربي على الرأس بمظلته. وحسب معلوماتي، فإنه لم يذق طعماً للنوم ولم يأكل شيئا. إن نشاطه الوحيد يتمثل في ضربي. إنه يشاركني في كل ما أفعله، حتى في أكثر أموري خصوصية.أتذكر أنه في بداية الأمر كانت ضرباته تبقيني متيقظا طوال الليل.الآن أعتقد أنه من المستحيل بالنسبة لي أن أنام بدونها.

(3)

لم تكن علاقتنا على ما يرام دائما. سألته في أكثر من مناسبة، وبكل النبرات الممكنة،أن يشرح لي سلوكه, دون جدوى.. استمر في ضربي على الرأس بمظلته دون أن ينطق بكلمة واحدة. في مرات عديدة رددت له الصاع صاعين باللكمات والركلات بل وحتى - ليغفر لي الله- بضربات المظلة. كان يتلقى تلك الضربات بخنوع. كان يتقبلها كما لو أنها كانت جزءا من عمله. وذلك كان على وجه التحديد أكثر جوانب شخصيته مدعاة للاستغراب, ذلك الإيمان الذي لا يتزعزع بعمله مصحوبا بانعدام تام للشعور بالعداء. وباختصار ، ذلك الإيمان أنه ينفذ مهمة سرية رضوخا لسلطة أعلى.

وعلى الرغم من انعدام حاجاته الفسيولوجية، فإنني أعرف أنه يتألم حين أقوم بضربه.أعرف أيضا أن بوسعي التخلص منه برصاصة واحدة. ما لا أعرفه هو ما إذا كان من الأفضل لتلك الرصاصة أن تقتله أو تقتلني أنا. كما أنني لا أعرف، حين نكون نحن الاثنان في عداد الموتى، إن كان لن يواصل ضربي على الرأس بمظلته. وعلى أي حال فإن هذا التفكير غير ذي جدوى, فأنا على يقين بأنني لن أجرؤ على قتله أو قتل نفسي .

من جانب آخر، وصلت مؤخرا إلى إدراك أنني لا أستطيع أن أعيش دون تلك الضربات. والآن، وبصورة أكثر تكرارا أصبح يسيطر علي هاجس محدد. قلق يعتصر روحي. إنه القلق النابع من فكرة أن هذا الرجل، ربما حين أكون أحوج ما أكون إليه، سيغادر ولن أحس بضربات المظلة التي طالما ساعدتني على النوم ملء جفني.