تتمتع الدول بحرية تامة في صياغة قوانينها الخاصة بالعمل وتنظيم سياساته وفق ما يحقق الارتقاء ببيئة العمل الوطنية ومصالح مواطنيها ضمن نطاق يوازن بين حقوق العمال ومصالح أرباب العمل، وبما لا يخل بما تلتزم به الدولة من مبادئ عبر المعاهدات الدولية ذات العلاقة، لكن تبقى مصلحة مواطنيها ومقومات أمنها الاقتصادي والوطني تعلو ولا يعلى عليها؛ وقد رأينا كيف تتخلى الدول المتقدمة خصوصا في حالات الضعف الاقتصادي عن شعارات الديمقراطية عندما يمس الأمر أحقية مواطنيها بالعمل في الدول التي تزيد فيها الأيدي العاملة الوافدة أو المهاجرة على الوطنية، أو عندما يتعلق الأمر بما يهدد مصالح أمنها القومي؛ وعلى هذا الأساس تلجأ هذه الدول إلى وضع إستراتيجيات واقعية وحلول ناجعة لمواجهة أسباب البطالة، يأتي على قائمتها تحقيق متطلبات الأمن الوطني والأمان المهني بتوطين المهن الحرجة والوظائف الحساسة كمرتكز إستراتيجي لنمو اقتصادها الوطني.

جهود وزارة العمل المبذولة لحلحلة إشكالات وتشوهات سوق العمل إنما نناقشها وننتقدها بدافع الغيرة الوطنية، كما نحسبهم -أي المسؤولين في الوزارة- حريصين على الطرح الموضوعي والنقد البناء المكمل لمسؤولياتهم وجهودهم الرسمية عبر ما يرعونه من برامج ومبادرات ترمي إلى المساهمة في إعادة هيكلة وإصلاح سوق العمل وصولا إلى ما يحقق مستهدفات رؤية الوطن 2030، لكن المراقب لفاعلية وفعالية هذه الجهود لا يجد عذرا من القول سوى أنها تبدو في ظاهرها ومعطياتها قاصرة الأهداف ووقتية الحلول وصعبة النتائج، ولا يلوح في الأفق أي بصيص أنها ترمي إلى تحقيق نقلة دائمة ونتائج ملموسة في تخفيض مستويات البطالة، ليس فقط بسبب ما تضعه الوزارة من خطط وبرامج للتوطين منفصلة عن أرض الواقع من حيث عدم شموليتها للأهم من الوظائف المستهدفة إستراتيجيا، وإنما بمزامنة قيام الوزارة بما يمكن تكييفه بأعمال تتعارض مع ما تقوم به من جهود للتوطين عبر الاستمرار بشراهة في إصدار تأشيرات في تخصصات محددة أو تحت مسمى «مستشار» لمهن ووظائف يقابلها بطالة بين المواطنين.

ولهذا نقول هناك قراءة وفهم خاطئ لما يفترض البدء بتوطينه حقيقيا من المهن الحرجة والوظائف الحساسة المؤثرة إداريا وأمنيا في المنشآت مقارنة بالمهن العادية، وعليه تظهر الحاجة لرسم إستراتيجية واضحة بحسب القطاعات للمهن الحرجة (كالهندسة، والمحاسبة.. إلخ) ، والوظائف الحساسة (كأمن تقنية المعلومات وبرمجة الحاسب الآلي.. إلخ)؛ فنحن نتكلم عن تخصصات يوجد بين المواطنين من يتمتع بتأهيل تعليمي وقدرة على القيام بواجباتها لكن هيمنة الأجنبي عليها وتزامن ذلك مع غياب الأدوات الرقابية الصارمة يحد من جدوى نجاح خطط التوطين الموجه والإحلال المستقبلي لبطالة الشهادات مالم يتم ربط شغر هذه المهن والوظائف بخطة زمنية محددة للتدريب ويلزم خلالها بنقل المهارات للمواطن.