يعد صغار السن من أكثر الفئات استهدافًا من قبل المجرمين كونهم يسهل استغلالهم والتأثير عليهم ومن ثم إيقاعهم في براثن الجريمة من سرقات ومضاربات ومخدرات وغيرها من جرائم وسلوكيات يعاقب عليها النظام، وهنا يأتي دور الأسرة النواة الأولى في التنشئة الاجتماعية في حياة الحدث وخاصة في فترة المراهقة وهي مرحلة حساسة في تكوين البيئة السلوكية المحيطة، كما يأتي دور الجهات المعنية بالتعامل مع فئة الأحداث في إعادة تأهيلهم وتوافقهم النفسي والاجتماعي وتوجيههم التوجيه الحسن حتى يعودوا إلى جادة الصواب، ويصبحوا أعضاء نافعين بالمجتمع. ويأتي التغرير بالحدث وجعله لعبة سهلة التوجيه إذا لم يجد المتابعة والرقابة والاهتمام من الأسرة التي عليها دور كبير في رعاية ومتابعة الأبناء والبنات في سن المراهقة، وتشهد دور رعاية الأحداث الكثير من هؤلاء الذين اتجهوا للجريمة وحول توجيه الأحداث والاهتمام بهم تحدث عدد من الأخصائيين والمستشارين حول هذه القضية، فكان التالي:

حقوق الأحداث

في البداية يقول د. ياسر البلوي -مستشار قانوني-: من أجل مراعاة الفئة العمرية دون سن الرشد الجنائي، وبحكم عدم النضج الكافي في الإدراك وعدم الوعي في حماية الذات ولصغر سنهم، ولتوفير بيئة خاصة بهم ولحمايتهم، فقد تم تخصيص محاكم ودوائر للأحداث لها ظروف مستقلة تختلف عن معظم المحاكم والدوائر القضائية الأخرى، فالحدث عند بعض الفقهاء هو من وصل إلى سن الخامسة عشرة والمعمول به في المملكة هو من لم يتجاوز عمره الثامنة عشرة، والفتاة من لم يتجاوز عمرها ثلاثين سنة، والشرع والقانون جعلا لهم تقديراً خاصاً ومستقلاً، بداية من عملية القبض عليهم بحسب الجرم المرتكب ومروراً بمرحلة التحقيق حتى إصدار الحكم القضائي في حقهم وآلية تطبيقه، وعموم نصوص نظام الإجراءات الجزائية هي التي يستند غالباً قاضي الأحداث في أحكامه عليها إلا ما تم استثناؤه، ودوائر الأحداث تعتبر تحت مظلة المحاكم الجزائية، ونظام توقيف الأحداث أشار إلى حقوق الأحداث ومن أهمها أن يكون التحقيق معهم داخل دار الملاحظة الاجتماعية، وهي تحت مظلة وزارة العمل والتنمية الاجتماعية، وذلك في حضور أخصائي نفسي أو اجتماعي مع المحقق وتقديم بحث اجتماعي متكامل عن الحدث لناظر القضية، ولا يجوز نظاماً التحقيق مع الأحداث داخل مراكز الشرط أو توقيفهم في المراكز والعملية من بدايتها حتى نهايتها تكون تحت اطلاع القاضي، وكل ذلك لا يكون أي التوقيف والاطلاق إلا بإذن من قاضي الأحداث المكلف من رئيس المحكمة الجزائية لمحكمة الأحداث، ومن هذا المنطلق فقد تم تخصيص دور خاصة للمحاكمات بالنسبة على الفئة العمرية.. الأول: دور الملاحظة الاجتماعية تعنى بتحقيق «أسس الرعاية والتوجيه الديني والرعاية الصحية والتربوية السليمة للأحداث الجانحين الذين يحتجزون رهن التحقيق أو المحاكمة أو الذين يقرر القاضي إبقاءهم في الدار لمن لاتقل أعمارهم عن ثنتي عشرة سنة ولاتتجاوز ثماني عشرة سنة، والعمل من أجل دراسة مشاكلهم وإيجاد الحلول المناسبة لها، ويبلغ عددها (17) داراً، والثاني: مؤسسة رعاية الفتيات، وهي مؤسسة تعنى بتحقيق أسس الرعاية والتقويم الاجتماعي وتقوية الوازع الديني، والعمل على تحقيق الرعاية الصحية والتربوية والتعليمية والتدريبية السليمة للفتيات الجانحات اللاتي يحتجزن رهن التحقيق، أو المحاكمة وكذلك اللاتي يقرر القاضي بقاءهن في المؤسسة ممن تقل أعمارهم عن ثلاثين سنة.

تأثير القرين

من جهته أوضح د. أحمد البار - أستاذ الخدمة الاجتماعية بجامعة الإمام ومستشار العلاقات الزوجية والأسرية - أن قضايا الأحداث من قضايا المجتمع الأكبر ومنها التفكك الأسري وغياب الكثير من القيم الإيجابية ومشكلات برامج التواصل الاجتماعي والتقنية غير إن الأحداث وبسبب خصائصهم ومرحلتهم العمرية يواجهون تحديات تتمثل في تأثير القرين والتي يكثر بينهم اللامبالاة، وعدم تحمل المسؤولية وتوجد بين بعضهم مشكلات تعاطي المخدرات.

وأضاف: أصبح الحدث شخصاً يفتقد للقدوة كونه يستقي قيمه ومعارفه من العالم الافتراضي الذي يعج بالنكرات، وذوي القيم المنخفضة والأجندات أو على أقل تقدير العقول الفارغة إلا ما ندر.. فبرغم وجود الكثير من النماذج الناجحة والبرامج الهادفة، والموضوعات القيمة في وسائل التواصل إلا أن طبيعة مرحلة المراهق تجعله ينجذب لتوافه الأمور، وهذه عندما لا يكون هناك موجه ولا رقيب ولا بديل لملء الفراغ لدى الشاب فإن الخروج بجيل غير مسؤول أمر وارد وممكن، والصواب إبراز النماذج الناجحة والإيجابية من نفس الفئة وتسليط الضوء عليها بدلاً من تسليط الضوء على غيرهم ممن يفتقد لنفع نفسه سلوكياً وقيمياً فضلاً من أن ينفع الآخرين، كذلك استهداف الأسر خصوصاً إن جيل الآباء اليوم يفتقد للكثير من المهارات الوالدية وطرق التعامل الأمثل، والأرشد مع الأبناء خاصة في سن المراهقة إما بسبب انشغالهم في طلب الرزق أو بسبب انشغالهم في أمور غير مهمة فتنتقل المشكلة لجيل الأبناء الذين لا يرون في آبائهم وأمهاتهم القدوة، كما إن ضعف الروابط الأسرية والاجتماعية بين الأقارب والأهل والجيران تسهم في ضياع الكثير من القيم الإيجابية التي كانت تتمتع بها الأجيال السابقة، كما أن تعقد المجتمع يؤكد على أهمية إعداد نشء قادر على المنافسة وتحمل المسؤولية، والبحث عن الفرص لجيل اعتاد على الدعة والراحة وتبسيط الأمور.

السلوك المنحرف

وتناول د. مساعد العتيبي -باحث في شؤون الأسرة وانحراف المراهقين- تأثير وسائل التواصل على المراهقين، وقال لا تعد وسائل التواصل الاجتماعي في جوهرها معززة لأنماط السلوك المنحرف والمجرم، ولكن المجرمون والمنحرفون هم من استغلوا مميزاتها وحرفوا مقاصدها واستخداماتها لتحقيق أهدافهم المنحرفة فمنذ ظهور تلك الوسائل ظهرت معها بعض الأفكار والسلوكيات الشاذة أو المنحرفة عن السياقات الاجتماعية المألوفة، والتي تتقاطع مع قيم المجتمع وثقافته ومعتقداته، ولم يقتصر ذلك على مجتمع دون غيره فقد تأثرت بها جميع المجتمعات، وقد أحدثت وسائل التواصل تأثيراً بالغاً في مستخدميها بشكل عام وفئة المراهقين بوجه خاص، حيث لعبت دوراً مهماً في تشكيل الأفكار، وبناء الاتجاهات من خلال خاصية التفاعل التي تتميز بها، ولكن العديد من الدراسات أظهرت الذين يلجأون إلى الاستخدام السلبي لوسائل التوصل قد يمرون بعدد من الظروف من أهمها: الوقوع تحت ضغوط صارمة من الضوابط الاجتماعية العرفية، أو الذين يعيشون في أجواء أسرية مفككة ومضطربة، أو من يعانون فشلاً في الأداء المدرسي، ومن تكون ضوابطهم القيمية والأخلاقية ضعيفة، أو من ينشأون دون توجيه أخلاقي هادف، ومن لديهم أقران وأصدقاء يحبذون ويشجعون على الانحراف، وكذلك الراغبون في التمرد على رموز السلطة الأسرية والمدرسية والمجتمعية، وكل سلطة أياً كانت هويتها، بالإضافة إلى الأشخاص الانطوائيين المنعزلين عن محيطهم الأسري والاجتماعي، والمدمنون على وسائل التواصل الاجتماعي والمغرمون بجديدها بشكل مرضٍ. وأضاف أن دور الأخصائي الاجتماعي في التعامل مع اختلاف القضايا بين الأمس واليوم يعد مجال المراهقين الجانحين من أهم المجالات التي يعمل بها لأخصائي الاجتماعي، فهو من أكثر الممارسين اطلاعاً وإدراكاً لتغير أسباب انحرافاتهم وفقاً لما يحدث للمجتمعات من تغيرات مادية ومعنوية، ويدرك الأخصائيون أن وسائل التواصل الاجتماعي أحدثت نقلة مختلفة حتى في أنواع الجريمة وأساليب ارتكابها فلا غرابة في ظهور انحرافات وجرائم عبر وسائل التواصل والتقنية الإلكترونية بشكل عام.

البرامج الاجتماعية والنفسية

وحول كيف يتم توجيه المراهقين من قبل الأخصائيين وهل ما يقدم في الدور كافٍ لتوجيههم، قال العتيبي: هناك العديد من البرامج والأنشطة النوعية التي يقدمها الأخصائيون الاجتماعيون للأحداث في الدور الإيوائية بهدف المساهمة في تعديل سلوكياتهم وعلاج مشكلاتهم وتوجيههم إلى المسار الصحيح، ومن أهمها البرامج الاجتماعية والنفسية التي تهدف بالدرجة الأولى إلى تشخيص المشكلة الأساسية بشكل علمي دقيق من النواحي المختلفة التربوية والاقتصادية والأسرية والاجتماعية والنفسية، ومن ثم يتم العمل على التركيز في عملية التدخل على الجوانب الأكثر أهمية للتغلب على المشكلة، وبهذا يمكن أن يستجيب المراهق لعمليات العلاج ومن ثم التأهيل  للتغيير، وعلى الرغم من تلك الجهود التي تبذل في هذا الجانب إلا أنها لا تزال بحاجة إلى بذل المزيد والمزيد وفق الأساليب العلمية التي توصلت لها الممارسة على مستوى العالم والتي تمتد لتشمل المراهق ومحيطه الأسري وربما الأنظمة والمجتمع المحيط.

جنوح الأحداث

من جهتها تقول شدى عبدالحليم- اختصاصية اجتماعية - يجب أن نعرف من هم الأحداث.. الأحداث هم الفئة العمرية من 7 سنوات إلى 18 سنة، وقد خصصت لهم دور خاصة للتأديب أو العقوبة في حال ارتكابهم لجرائم أو تعرضهم للانحراف، ويجب أن نعلم أن جنوح الأحداث لم يأت من فراغ وله مسببات كثيرة، أولها وأهمها الأسرة، حيث إنها تمثل أكثر عوامل التنشئة الاجتماعية أهمية، وتسهم بشكل ملحوظ في تكوين شخصية الطفل، ودار الملاحظة تعنى بتحقيق أسس الرعاية والتوجيه الخلقي والديني وكذلك الرعاية الصحية والتربوية السليمة للأحداث الجانحين، ولكن هل ياترى مايحتاجه الحدث الموقوف هو المأكل والمشرب؟ وهل كل مايحتاجه خدمات إيوائية فقط؟

وتضيف: الحدث في أصعب مرحلة عمرية ويحتاج للدعم المعنوي والنفسي.. يحتاج لأن تكون دار الملاحظة بيت الأسرة الثاني وجوا عائلياً وتوجيهاً أبوياً من مرشد الدار، ويحتاج أيضا للتعليم والتدريب والتهيئة للخروج للمجتمع من جديد بشخصية جديدة مدعومة داخليا بالثقة والأمل في الحياة، ويحتاج للدعم أثناء فترة وجوده في دار الملاحظة من المجتمع، وذلك بعمل فعاليات خاصة لزيارتهم ورؤية إنجازاتهم من خلال ورش عمل أو دورات تدريبية أو نشاطات ترفيهية للجنسين، ووسائل التواصل الاجتماعي حالياً لها دور كبير في التأثير على أي جانب من حياتنا، وأتمنى أن يكون لها دور في توجيههم، ودعمهم، ولفت الأضواء لهم لتسهيل اندماجهم في المجتمع بعد خروجهم من دور الملاحظة لكي لا يشعر الحدث بأنه غير مرغوب فيه ولا ننسى أو نتجاهل بأن الحدث فرد من عائلة وليس كائناً غريباً ونحن بشر ومعرضون لأن نخطئ، لذا يجب علينا تقبلهم ومساعدتهم دائماً.

ضحية عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية

بدوره قال رامي القليطي- محامٍ ومستشار قانوني: قضايا الأحداث هي مسائل اجتماعية أكثر منها وقائع جنائية، لأن الحدث مرتكب الجريمة غالباً ما يكون ضحية عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية عجز عن مقاومتها فدخل في دائرة الخطر، وإذا كان الهدف من محاكمة المجرم البالغ الراشد هو بغرض ردعه وعقابه، فإن الهدف الأساسي من محاكمة الحدث هو حمايته من الأفكار والأفعال المنحرفة وتقويم سلوكه والحدث لغة يقصد به عدة معانٍ ومنها حداثة السن كناية عن الشباب وأول العمر، ومن الناحية القانونية يعرف الحدث بأنه الصغير في الفترة بين السن التي حددها القانون للتمييز وهي سبعة سنوات، والسن التي حددها لبلوغ الرشد، وهي الثامنة عشرة سنة، ودور الملاحظة هي الجهة التي يتم إيداع الأحداث فيها، وهي مراكز تساهم بدور إصلاحي وتأهيلي للنزلاء من خلال برامج علاجية وتوعوية وتعليمية تهدف إلى تغيير سلوكهم، وإعادة تأهليهم داخل المجتمع.

دور الملاحظة تحتضن الكثير من القصص لأحداث لم يجدوا الموجه والقدوة
احتواء الابن يقيه الانحراف
تعنيف الحدث ينتج ردة فعل سلبية
د. ياسر البلوي
د. أحمد البار
د. مساعد العتيبي
رامي القليطي
شدى عبدالحليم