ينجح بريق المصلحة أحياناً في استمالة الجانب الضعيف في النفس بإغراءات قد تبدو للوهلة الأولى مجدية، إلا أنها في واقع الأمر ليست كذلك بل طُعماً لاستدراج مبتغيها إلى طريق مظلم، التخلص من مشاعر الأذى النفسي وتأنيب الضمير عند هؤلاء يبيت صعب المنال؛ لأنه يشعر في قرارة نفسه بقيمة مفقودة، فيما يعتقد البعض ووفق الإحساس الخاطئ أن الرجوع عن الخطأ والعودة إلى جادة الصواب قد فات، وأن السبيل إلى التصحيح صعب المنال، وهذا بلا ريب خطأ فادح، فالقلوب تمتلئ بالإيمان بفضل الله، والعقول تنضح إدراكاً ويقيناً، وتكمن الإشكالية في عدم توافق التطبيق للاعتقاد، وجلد الذات من حين لآخر في لحظات تتدفق فيها ينابيع الإيمان في الفؤاد، محاسبة النفس توحي بالاعتراف بقيمة المعاني الجميلة للإنسان الذي يخطئ ويصيب، حينئذ يسمو في علو لا مثيل له بأن ثمة أخطاء يجب تصحيحها، وثمة تقصير يجب تداركه والعمل على إصلاحه، في حين أن تفعيل دور الرقابة الذاتية ومحاسبة النفس لن تتحقق ما لم تتوافر العوامل المساندة لتقويم السلوك في توجه يفيض رحمة في انتشال المخالف من أوحال الخطيئة لا شماتة تحاصره في زاوية الازدراء والنبذ، فلم يكن الخطأ ليقصد المخطئ ويتمكن منه لو أن الحواجز المعنوية المؤثرة ساهمت في صده وتنبيهه وتحذيره من مغبة ارتكابه المخالفة، المجال -ولله الحمد- في التصحيح واسع وكثرة استغفار المؤمن دليل حي على رقي تفكيره وعلو نفسه وهو يطلب العفو والمغفرة من ربه في كل حين والعبرة بالخواتيم.

وحينما يقرر الإنسان في وقت من الأوقات مسح الكتابة بالقلم أو حذف رسالة أو مسح شريط سواء من خلال الأجهزة الذكية أو عبر جهاز الكمبيوتر فإن بوسعه ذلك متى ما شعر بهذه الرغبة لدواعٍ معينة، بيد أن الأمر يختلف في ذاكرة الإنسان فقد يكون في ذاكرته أمور لا يرغب في استرجاعها، وبالتالي فليس من الصعوبة تحقيق هذا الأمر متى ما توفرت القناعة المطلقة بعدم جدواها؛ بمعنى أن يتم التعامل مع الرغبة الجامحة في النفس بقدر كبير من الحكمة وتعزيز الرغبة بعوامل تسهم في صحة المسار ومن أبرزها التهيئة وصدق العزيمة والإصرار مقروناً بثبات الموقف بعدم العودة إلى ذلك الأمر أو حتى مجرد التفكير فيه، فإذا اقترنت الإرادة القوية الواثقة بالمولى سبحانه بتصميم على تصويب الفكر والسلوك فإن إذابة الذكريات السيئة وتهميشها بل نسيانها يكون أقرب إلى التحقيق، وهذه المسألة ترتبط في المقام الأول بتدريب وتمرين الذات على هذه المفاهيم الخلاقة وفي إطار منظومة التسامح العملاقة.