تشكل أكاديمية التغيير إحدى تمظهرات ميثاق «حمد - القرضاوي» الذي كان من بنوده حل التنظيم الإخواني وإعلان الولاء لحكام قطر في مقابل إطلاق الدوحة ليد الإخوان في العالم العربي لإحداث تغييرات جذرية على مستوى البنيات السياسية للدول العربية..

عندما تلتقي الإيديولوجية بالمال وطموحات السلطة، يغيب المبدأ وتسقط القوانين والأعراف ويبقى وَهْم السيطرة والزعامة هو المسيطر والمحدد للاختيارات التكتيكية للحالمين بالتمدد على حسابات كيانات سياسية يُفترض أنها تتوفر على سيادة قانونية تمنع أي محاولة للنيل منها.

لقد التقى الطموح الإخواني، المفتقر إلى الأدوات والوسائل في أبعادها الإستراتيجية، مع الحلم القطري الذي يمتلك الأدوات والوسائل ويفتقد للإيديولوجية والبناء الفقهي والسياسي لإخضاع العالم العربي لحكام الدوحة والتي تسعى لتكون العرّاب السياسي للعالم السني.

على هذا المستوى، ستشكل أكاديمية التغيير إحدى تمظهرات ميثاق «حمد - القرضاوي» الذي كان من بنوده حل التنظيم الإخواني وإعلان الولاء لحكام قطر في مقابل إطلاق الدوحة ليد الإخوان في العالم العربي لإحداث تغييرات جذرية على مستوى البنيات السياسية للدول العربية وخلق كيانات تابعة إيديولوجياً للإخوان وسياسيّاً لقطر. ومن هنا جاء إحداث أكاديمية التغيير في قطر (بعد التأسيس الأول في لندن) لبلورة ومواكبة إستراتيجية محكمة يتم تمويلها من طرف نظام الحمدين لتدريب الشباب العربي على إسقاط الأنظمة وزعزعة الأمن في دول الخليج وسورية وتونس وليبيا، في أفق المرور إلى باقي الدول العربية والإسلامية في طموح قطري - إخواني «بلا حدود».

مدير الأكاديمية هشام المرسي وهو، بالمناسبة، صهر يوسف القرضاوي، يقول: «إن نجاح تجربتنا (يقصد تجربة الربيع العربي) بقدر ما هو مرتبط بما نملكه من الأفكار والحيل والمعلومات والإستراتيجيات، بقدر ما نعرف نصل إلى الأمان وإلى ما نصبو إليه». (برنامج اسأل على الجزيرة مباشر مصر سنة 2014). زلة اللسان هاته تكشف عن حقيقة المشروع الإخواني الخطير من خلال فكرة الانتشار الجماهيري لتهيئ قاعدة مادية يمكن توجيهها وفق تكتيكات اللعبة الديمقراطية والتي ستفرز أغلبية ذات ولاءات إخوانية واضحة. وفي حال ما إذا فشلت الآلية الديمقراطية أو تم التصدي لها من طرف الأنظمة الحاكمة، يتم المرور إلى المخطط –ب- (Plan B)، وهو التمرد على السلطة الحاكمة من خلال قيادة عصيان مدني ينتهي بإسقاط الأنظمة الحاكمة وتنصيب حكومات خاضعة للأطروحة الإخوانية.

هذه الأطروحة، تقترب إلى حد التطابق من الأطروحة السياسية لأبي الأعلى المودودي، والذي طرح نظرية «الديمقراطية الإسلامية» على اعتبار «أننا نعيش في مجتمعات جل عناصرها مسلمون، سبق لهم أن تشرّبوا تعاليم الدين الحنيف وتشبّعوا بقيمه وبالتالي فإن الديمقراطية لن تكون إلا تعبيراً خالصاً للأغلبية الساحقة التي تُقرّ وتصبو إلى بناء دولة ذات هوية ومرجعية إسلامية واضحة». (فقرة من كتاب نظرية الإسلام السياسية للمودودي).

وفي نفس سياق البناءات الإستراتيجية للأكاديمية، يضيف مدير المؤسسة، في نبرة لا تخلو من خبث وإرهاب، وفي زلة لسان أخرى لم يعِ إسقاطاتها وتبعاتها، فيقول: «كيف يمكن لمليونين أن يواجهوا 40 مليوناً إذا رغب هؤلاء في السير بالمجتمع بشكل من الأشكال؟». ويضيف في موقع آخر «أنا لست مع السلمية ولا ضد السلمية ولست مع العنف ولا ضد العنف، عندي هدف لازم أَوْصَلُّوا ولأصل إلى هذا الهدف يجب أن أتحكم في الأدوات التي أمتلكها». وهنا تبدو الأهداف واضحة وتكتيكات التحرك معلنة ولا تحتاج إلى تأويل حين يقول هشام المرسي: «يجب تقوية الشعوب لإخضاع السلطة التنفيذية للإرادة الشعبية». هذه الاستراتيجية تستلزم تأسيس سبعة كيانات (لم يُعلِن عنها) على مستوى كل وطن من أجل إنجاح مخططات التغيير وفق ما تقتضيه الرؤية الإخوانية في حلتها القَطرية الجديدة.

وفي سياق، شرح مدير «أكاديمية التخريب» لتكتيك «العنف واللا عنف»، لا يُخفي إعجابه بالتجربة الحوثية عندما يصرح بالقول «تجربة اليمن تجربة جميلة جدا حيث الحوثيون مثلا يزاوجون بين «العنف واللا عنف»، يلعبوا شوية سياسة وشوية عنف ويعرفوا كيف يُلاعبون المجتمع السياسي في اليمن».

لقد كان من نتائج هذه الإستراتيجية «الإخوانية - القطرية» إغراق العالم العربي في أنهار من الدماء والاحترابات الطائفية والحروب الأهلية جراء عدم إلمام (حتى لا نقول الغباء) بمحددات البيئات الإستراتيجية على مستوى كل دولة على حدة. وهنا يعترف صهر القرضاوي ومدير الأكاديمية بهذه المسؤولية ويُقرّ بأنهم «أخطأوا في تطبيق تكتيكات التغيير».

يتبين، إذاً، إلى أي حد شكلت الاختيارات القطرية محاولات جادة لزعزعة استقرار الأنظمة العربية، الشيء الذي يُفسّر ويُشرعن الإجراءات السيادية التي اتخذتها الدول الأربع تجاه قطر حمايةً لسيادتها ولمنظومة أمنها القومي.