الشركات التي يعمل فيها موظفون يشعرون بالانتماء والسعادة تتفوق في الأداء والمنافسة، وتشير دراسات في علم النفس الإيجابي وعلم الأعصاب إلى أن السعادة تؤدي إلى الفعالية والنجاح..

السعادة من أكثر الموضوعات جذباً للتأمل. في أدبياتها الكثير من الأفكار والأقوال التي يطرحها أصحابها حسب ظروفهم وطموحاتهم ومفهومهم للسعادة. هل هي في الإيمان أم الصحة أم المال أم العلاقات الإنسانية أم النجاح في العمل. بشكل عام يسير الناس في الطريق إلى السعادة نحو أهداف مختلفة. وإذا كان الإنسان يقضي جزءاً كبيراً من وقته في العمل فهذا يعني أن العمل هو أحد المؤثرات القوية في تحقيق السعادة أو عكسها.

كتب عن هذا الموضوع كثيرون منهم السيدة (آني ما كي) وهي مستشارة إدارية للشركات والمنظمات الحكومية، ومن خلال خبرتها ألفت كتاباً بعنوان (كيف تكون سعيداً في عملك؟) صادر في العام 2017 عن هارفرد بيزنس رفيو.

أهمية الموضوع وعلاقته بالرضا الوظيفي، وبسعادة الإنسان بشكل عام دفعتني لمشاركة القراء قراءة مختصرة تبرز الأفكار الرئيسة في الكتاب وتترك التفاصيل لقرار القارئ.

تنطلق المؤلفة من قناعة ناتجة عن تجربة وهي أهمية السعادة في العمل مثلما هي مهمة في الحياة بشكل عام، وأن السعادة تقود إلى النجاح. الموظف السعيد كما أخبرها مديرون في شركات ومنظمات مختلفة هو الأكثر إبداعاً وانضباطاً في العمل. ومن خلال دراساتها وعملها كانت تبحث عن الأسباب التي تجعل الإنسان سعيداً في عمله وتوصلت إلى نتيجة مؤداها أننا لكي نكون سعداء في العمل نحتاج إلى الهدف، والأمل، والصداقة.

ترى المؤلفة أن يحدد كل إنسان تعريفه الخاص للسعادة، وتقترح استخدام الأسئلة التالية للوصول إلى هذا التعريف:

  • ما مفهومي للسعادة ومن أين أتى؟ ما دور الدين، والعائلة، والخبرة في تحديد مفهومي للسعادة؟

  • هل تعريفي للسعادة يحد من علاقاتي؟

  • إذا كنت سأعيد تعريف السعادة، فما المطلوب كي أحققها في العمل؟

ثم تنتقل المؤلفة إلى تحديد بعض الأفكار أو المعتقدات التي تشكل عقبات في البحث عن السعادة في العمل ومنها:

  • الاعتقاد بأن مكان العمل لا يفترض أن يكون للتسلية، ولسنا مرغمين على أن نحب زملاء العمل. نحن في العمل لتنفيذ الأوامر والعمل المنتج، قيمنا وآمالنا وأحلامنا مكانتها صغيرة جداً في بيئة العمل!

  • معظم الناس يتعثرون في فخ عقلية الاعتياد التي تجعلهم يسعون نحو الهدف الخطأ.

  • ليس من المهم معرفة شعور العاملين في العمل.

في فصل بعنوان (لماذا السعادة في العمل مهمة؟) تصف المؤلفة حال مدير ناجح وصل إلى حال أحبط عبر عنها بالقول إنه يعمل بجدية لا سابق لها ولكنه بدأ يتساءل عن جدوى ذلك. يقول ذلك رغم أنه يعمل في شركة مرموقة، عدم وجود مشكلات في الإدارة التي يشرف عليها. هذا الشعور السلبي جعل المؤلفة تتساءل عن سبب ذلك لدرجة أنه يفكر في الاستقالة. ثم تجد الإجابة في ضغوط العمل المستمرة، والتغيير المستمر، والتنافس غير البناء على مستوى المديرين، ثم فصل الموظفين لأغراض الترشيد. وصل هذا المدير إلى حال لم يعد يقتنع بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وأصيب بخيبة الأمل والملل وبدأ يشعر بالعزلة وفقدان المتعة في العمل، والأسوأ من ذلك فقدان الأمل.. حال هذا المدير ليست فريدة بل هي منتشرة وربما ترتفع نسبتها في عصرنا الحاضر بسبب ضغوط العمل ومتطلبات التغيير المتسارعة.

يوجد الكثير من حالات الامتعاض، وعندما يصل الإنسان إلى هذه المرحلة فهو – حسب خبرة المؤلفة – يفقد المتعة في أداء الأعمال التي كان يحبها، ويتجنب الناس، ويفقد الطاقة والإبداع. ونظراً للساعات الطويلة التي يقضيها الإنسان في العمل فإن تلك الحال البائسة سوف تنتقل معه خارج العمل وتؤثر على حياته وعلاقته بعائلته وأصدقائه، مع الأخذ في الاعتبار أن الضغط العصبي، والغضب، والمشاعر السلبية خطر على صحة الإنسان وحياته.

من الجانب الآخر، فإن الشركات التي يعمل فيها موظفون يشعرون بالانتماء والسعادة تتفوق في الأداء والمنافسة، وتشير دراسات في علم النفس الإيجابي وعلم الأعصاب إلى أن السعادة تؤدي إلى الفعالية والنجاح.

نعرض هنا لحال أخرى مناقضة لحال المدير المحبط المشار إليها في بداية المقال. وهي حال مديرة تعمل بجدية وانضباط كما كان يفعل ذلك المدير المحبط، لكن هذه المديرة على عكس ذلك المدير ورغم ضغوط العمل لا تتساءل عن جدوى عملها أو التزامها بمسؤولياتها، وتعبر عن حالها بالقول: «أجد لعلمي معنى وهدف، العمل يجعلني أشعر بالسعادة لأنه يمنحني فرصة مواجهة تحديات جديدة لا أقابلها في حياتي الخاصة، عملي يفتح لي المجال للتعرف على زملاء رائعين أجد فيهم التحفيز للتفكير بطريقة مختلفة».

دعونا الآن نطرح بعض الأسئلة: هل أنت من فئة المدير المحبط، أم المديرة السعيدة بعملها؟ وهل لبيئة العمل تأثير مباشر في شعور العامين بالسعادة أو التعاسة؟ وهل لدينا دراسات حول هذا الموضوع، وما الحلول الفعالة في توفير بيئة عمل جاذبة، وهل سلوك المديرين هو العامل الأكثر تأثيراً في هذا الموضوع، هل استسلم المدير المحبط للضغوط القوية أم هو خاضع لسيطرة التفكير السلبي، بينما تمكنت المديرة بتفكيرها الإيجابي من التكيف؟ وللأسئلة، والحديث عن هذا الموضوع بقية إن شاء الله.