لا يمر يوم على أكثر تقدير دون أن نسمع أو نقرأ مناشدة من مواطن لأصحاب القرار يطلب منهم الإنصاف لأنه - كما يعتقد - حُرم من حقه كمواطن، وهذا الأمر لا يخرج عن حالتين: إما أنه يجهل فعلاً حقوقه وواجباته، أو أنه بالفعل حُرم من حق، وفي كلتا الحالتين أعتقد أن هناك خللاً في الإدارات التي تتعامل مباشرة مع المواطن، فاللجوء لمناشدة أصحاب القرار يعني ببساطة أن مقدم الخدمة لم يقدم الخدمة للمستفيد، أو أنه قدمها بشكل لم يرضه.

ومع تمنياتي بأن تنتهي المناشدات التي أصبحت أقرب للظاهرة إن لم تكن ظاهرة بالفعل، فإن هناك جانباً ممتلئاً من الكأس - كما يقال - فتكرار هذه المناشدات من جهات معينة هو أشبه باستفتاء لرضا المواطن عن الخدمة، أو لنقل تقارير دورية يرفعها المواطن للوزارات المعنية، فلو استفادت الوزارات من هذه المناشدات التي يحملها صوت المواطن (بلا فلتر) لعرفت الكثير من مكامن الخلل، وربما الكثير من المعوقات التي تجعل مديري العموم يتجاهلونها ويفضلون أن يقولوا في تقاريرهم إن (كل الأمور تمام طال عمرك)، وفي نفس الوقت فإن المواطن لو رأى جدية الوزارات عند سماع صوته فإنه بالتأكيد لن يتجاوزها ليناشد الملك أو ولي العهد، وقتها ستكسب الوزارة مراقباً محايداً ينقل لها صورة ما يحدث خارج أسوار الوزارة، وفي هذا الصدد لدينا تجربة رائعة ورائدة بدأها الدكتور توفيق الربيعة بوزارة التجارة، وهي تجربة تستحق التوقف، كما تستحق دراسة لأسباب خفوتها في الفترة الحالية، والفكرة أن المواطن عندما رأى جدية الوزارة في التعامل مع بلاغاته استشعر مسؤوليته كمواطن، وبهذا بدا المواطن بحالة ارتياح، بل بدا فخوراً بذلك، والجهة ذاتها كسبت مراقباً متطوعاً يغطي نقص المراقبين لديها دون أي تكلفة.

وهذا يعني أن المواطن ليس دائماً متضجراً، بل إنه - كما في المثال السابق - على استعداد لمساعدة الجميع والتعاون معهم حسب مقدرته متى ما أحس بالثقة، وشعر أن صوته مهم، أما إن فقد الثقة فإنه من الطبيعي أن يتجاوز الجميع مناشداً المقام السامي، وهذا لا يعني أن أسلوب المناشدة ليس له طابع ثقافي واجتماعي، فنحن في وطن يشعر المواطن فيه أن ولاة الأمر هم أهله وعزوته، ولهذا ينتظر منهم أكثر مما هو حق له، لكن هذا لا يعني أن نقرأ ونسمع مرارة مناشدات تنضح بالخذلان ولا نرى تفاعلاً جاداً معها حتى تصل فعلاً للمقام السامي ويتدخل لإنصاف هذه الحالات، وأنا أطرح هذا الموضوع في هذا التوقيت بالذات لأننا نرى أننا ليس فقط في فترة تجاوز السلبيات، بل في مرحلة تحقيق الأحلام والتطلعات، ولهذا حتى الهفوات الصغيرة نستنكرها لأننا ببساطة في مرحلة (القادرين على التمام) إن شاء الله.