تعقيدات المسألة السورية تتطلب عملاً دولياً مشتركاً يؤمن كل طرف فيه بأهمية الطرف الآخر وبدوره في حل الأزمة والخروج الآمن منها بما يحفظ لكل طرف اعتباره..

عندما تتحول الأمنيات المرسومة والتوقعات المكتوبة إلى واقع مؤلم يصعب التصديق به ومستقبل لا يمكن التنبؤ بنتائجه، فإن الأمر يتطلب أولاً الاعتراف بواقع الحال ومن ثم إجراء مراجعة دقيقة للخطط الموضوعة بهدف تقليل التكلفة والابتعاد عن مضاعفة النتائج السلبية. هكذا هو واقع الحال الذي تعيشه روسيا منذ أن قررت التدخل في الأزمة السورية.

فروسيا، إحدى القوى العظمى، اعتقدت أنها تستطيع التدخل في الملف السوري وإدارته بكل نجاح والتحكم بمستقبله. فتاريخها الإمبراطوري ومجاراتها للولايات المتحدة خلال عقود الحرب الباردة وقدراتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية المتقدمة منحها الكثير من الثقة التي جعلتها تعتقد أنها تستطيع تحقيق معظم ما تريد على أرض الواقع. ولكن يبدو أن هذه الأمنيات المرسومة والتوقعات المكتوبة لم تتحقق كما كان يتطلع صانع القرار الروسي.

فبعد ما يزيد على العامين من التدخل العسكري المتواصل، وجدت روسيا نفسها غير قادرة على تحقيق النصر المقنع أو على أقل تقدير القضاء على من تسميهم الجماعات الإرهابية، والذين يراهم العالم بأنهم الممثلون الحقيقون لأبناء الشعب السوري، وكذلك غير قادرة على الخروج الآمن الذي يحقق استقرار وسلامة حليفها التاريخي بنظام البعث. فماذا سوف تفعل روسيا أكثر مما فعلت عسكرياً لتحقق النصر الكامل، وإلى أي مدى سوف تستمر بعملياتها العسكرية التي ساهمت بتدمير المدن السورية؟ لكن يبدو أن الروس أدركوا بأن العمليات العسكرية لن تتمكن من إنهاء الأزمة السورية، فقرروا الذهاب للحلول السياسية في ظل استمرار العمليات العسكرية؛ فلعل السياسة تحقق ما لم تحققه القدرات العسكرية.

حضرت الحلول السياسية بداية عن طريق المؤتمرات الدولية ومن أولها مؤتمر «استانا 1» ثم مؤتمر «استانا 2» وهكذا حتى تعددت «مؤتمرات استانا السياسية» التي لم تحقق نجاحاً سياسياً يساهم في حل الأزمة السورية. وبعد «مؤتمرات استانا السياسية» غير الناجحة، انتقل الروس لعقد مؤتمرات سياسية في «سوتشي»، فلعل تغير المكان يساهم في تغير النتائج السلبية والخروج بنتائج إيجابية تساهم في حل الأزمة. ولكن، بكل أسف، كانت نتائج «مؤتمرات استانا السياسية» أفضل بكثير مما خرجت به نتائج مؤتمر سوتشي الذي عقد في 30 يناير 2018م. فلماذا لم تحقق المؤتمرات السياسية نتائج إيجابية، مثلها في ذلك مثل العمليات العسكرية، ولم تساهم في حل الأزمة السورية؟

نعم روسيا دولة عظمى، ولكنها ليست الدولة العظمى التي تستطيع تحقيق نتائج إيجابية في معظم المجالات والجبهات. فإذا كانت روسيا تملك القدرات العسكرية الحديثة والمتقدمة وتستطيع مساندة حليفها التاريخي في دمشق، فإن هناك قوى عظمى أخرى تتداخل معها في سورية من خلال مد أبناء الثورة السورية بالسلاح والدعم اللوجستي الذي يمكنهم من البقاء ومواجهة نظام البعث ومن يقف معه. فروسيا في مثل هذه المعادلة هي قوة من عدة قوى وليست القوة الوحيدة التي تستطيع منع القوى الأخرى من التدخل في سورية أو منعهم من تقديم الإمدادات لأبناء الثورة السورية. فروسيا، في هذا الوضع، لن تتمكن من تحقيق الانتصار العسكري في سورية، ولن تستطيع الخروج الآمن الذي يضمن تأمين سلامة واستقرار نظام البعث.

وكذلك في الجانب السياسي، فإذا كانت روسيا تستطيع عقد المؤتمرات السياسية ودعوة الآلاف من المؤيدين لنظام البعث للجلوس على طاولات الحوار المستطيلة والمستديرة وإصدار البيانات الختامية، فإن هناك قوى أخرى إقليمية ودولية تدخلت في المسألة السورية سياسياً وعقدت المؤتمرات في عدة دول إقليمية ودولية ودعت الآلاف من أبناء الشعب السوري للجلوس على طاولات الحوار المستطيلة والمستديرة وأصدرت العديد من البيانات الختامية. فروسيا في هذه المعادلة السياسية هي قوة من عدة قوى وليست القوة الوحيدة التي تستطيع فرض أجندتها وأسلوبها ومنع الآخرين من التدخل في المسألة السورية.

وفي الختام من الأهمية القول إن آلية خروج روسيا من سورية تبدأ من الاعتراف بالواقع. فسورية ليست فقط نظام البعث، وإنما هي أبناء الشعب السوري الباحث عن السلام والاستقرار منذ اليوم الأول. والمجتمع الدولي ليس فقط النظام السياسي الإيراني والميليشيات الإرهابية التابعة له في سورية، وإنما هو المجتمع الدولي بمختلف دوله الإقليمية والدولية المؤيدة لأبناء الشعب السوري. فتعقيدات المسألة السورية تتطلب عملاً دولياً مشتركاً يؤمن كل طرف فيه بأهمية الطرف الآخر وبدوره في حل الأزمة والخروج الآمن منها بما يحفظ لكل طرف اعتباره. وما عدا ذلك يعني استمرار الأزمة وتصاعد تكاليفها على جميع المستويات. فهل تواصل روسيا سياستها تحت ذريعة حفظ كبريائها، أم تنظر للواقع وتعيد بناء صداقاتها على أسس الاحترام المتبادل ويحفظ لها كبرياءها ويعزز مكانتها في المجتمع الدولي؟