في كل مرحلة تتجاوز البدايات، والتأسيس أو الريادة، يترقب من كل جيل ثقافي نقطة تحول تكشف العلاقة مع ما مضى بعيداً أو قريباً، كما يتأمل في ما سيكون منهم ولا يتحقق ذلك إلا بعدما يتم الجيل مرحلة البداية والتكريس بحسب ظروف كل موهبة في أي حقل.

ربما يخطر في جيل ثقافي أيديولوجيات تنهار أو تعيد اختبار منظومتها، واجتراح جنس أدبي أو شكل فني أو موضة تعصف وتمضي، أو تقنيات مستجدة في محتواها وتوصيلها ونقلها وتداولها.

وفي الربع الأخير من القرن العشرين، في المشهد الثقافي، بدأت تتمظهر النماذج الثقافية في القصة القصيرة ذات الإيحاء، واللوحة الغامضة والقصيدة المضادة للمدنية، والأغنية ذات العاطفة المرتبكة.

يمكن استعراض بعض تلك النماذج، تمثيلاً لا حصراً، وقصص "أحزان عشبة برية" 1979 لجارالله الحميد، وديوان القصيدة الواحدة "التضاريس" 1985 لمحمد الثبيتي، ومدرسة جمالية الطمس عند فيصل سمرة منذ عام 1985، وأغنيات الموسيقار طلال منذ عام 1982.

لا شك أن هناك تجارب تتقدم في المستوى والقيمة أو تتأخر كما أنه تكشف عن تداخل أجيال في عقود متجاورة.

وهذا لا يلغي من استمرار شخصيات سبقت بعقد أو أكثر إلا أن ذروة الإنتاج الثقافي قلما تتواصل أكثر من ثلاثة عقود إلا من باب الاستثناء.

ولا يمكن من نموذج واحد أن يغني عن الآخرين كما في كل حقل ثقافي من فنون وآداب فردية أو جماعية، فارق العناصر أو الأجناس بين دمجها أو استقلالها، كأن يظهر قاص ثم يتحول إلى الرواية أو الاثنين معاً ومثيله المغني والملحن والشاعر أن تكون في شخصية واحدة أو اثنتين فقط.

غير أن ما يمكن ملاحظته في هذه المرحلة مع الانتباه إلى متغيرات اقتصادية وسياسية واجتماعية أجرتها تقلبات أسعار النفط واندلاع الإرهاب والحرب الخليجية الأولى والثانية، صراع مفتوح بين الماضي والحاضر، بين الإيديولوجيات المتناقضة، وانعكست على كثير من أولئك المبدعين والمبدعات.

ولعلنا نتذكر أن لكل جيل بياناته المعلنة عن حضوره أو طموحه عبر مشروعات إما تولد ميتة وإما قابلة لإعادة الخلق، وذلك تبعاً إلى نوعية العناصر المكونة.

ولا يمكن نسيان البيان الغنائي الذي أطلقه عبدالمجيد عبدالله بكلمات محمد العبدالله الفيصل وألحان خالد الشيخ، من مجموعة "آن الأوان" 1987:

"أنا لي مكان بين النجوم

فوق السحاب

أغسل بألوان الفرح كل العذاب.."

وفي ذات الأغنية وضع الطموح طريقاً ملهماً:

"للمستحيل خذني معك مرة

للمستحيل بحلوه وبمره..

إلى أين أخذ هذا المستحيل دروب هذا الجيل"

إن الجيل اللاحق يقرر ذلك من النقطة التي ابتدأ منها من حيث انتهى أهل المستحيل.