جاء الإسلام الى العرب وهم يمتلكون العديد من الفنون الخاصة سواء قاموا بصناعتها أو اقتبسوها من تفاعلهم مع الأمم والحضارات المجاورة. وقد وقف الإسلام من الفن موقفاً ايجابياً تقديراً لما في الفن بمفهومه الواسع من تأثير على النفس البشرية والترويح عنها. ويمكن ان نذكر هنا موقف النبي صلى الله عليه وسلم عندما رأت عائشة رضي الله عنها الأحباش يرقصون في عيد لهم فوفر لها الجو المناسب وجعلها تتابع تلك الفعالية. وقد تطورت الفنون بشتى اشكالها مع نمو الحضارة الإسلامية وفتح العديد من المناطق ذات العمق الحضاري الكبير كبلاد الشام وبلاد الرافدين وبلاد فارس. وقد لعب رجل واحد دوراً كبيراً في نقل الفن الشرقي الإسلامي الى الغرب وهو أبو الحسن علي بن نافع المعروف بزرياب.

«من هو زرياب؟»

هو أبو الحسن علي بن نافع (173 - 243 هـ) من سكان بلاد الرافدين اثناء العصر العباسي. وقد اشتهر بلقب زرياب نسبة الى الزرياب وهو الطائر الأسود جميل الصوت لجمال صوته وقيل ايضا لسواد بشرته مع جمال صوته. ولد زرياب وترعرع في الموصل ثم انتقل بعدها الى بغداد. حيث تتلمذ هناك على يد إسحاق الموصلي صاحب مدرسة الغناء والموسيقى في العاصمة العباسية حتى اتقن فن الغناء وبرز فيه. وعلى الرغم من حسن العلاقة التي كانت تجمع زرياب باستاذه اسحاق الموصلي الا ان هذه العلاقة سرعان ماتأثرت بغيرة الموصلي مما قاد الى الفراق بينهما بل وإلى هجرة زرياب الى غرناطة في اسبانيا. حيث يقال إن الخليفة هارون الرشيد قد طلب من اسحاق الموصلي ان يأتيه بمغنٍ جديد ليسمع له فأحضر الموصلي زرياب الى الخليفة الذي أُعجب به وبصوته. وتذكر الروايات أن الحسد قد دب في نفس الموصلي الذي قرر إبعاد زرياب عن الرشيد بل وعن بغداد بكاملها خوفا من المنافسة. يقول المقري: « هاج به (أي بإسحاق) داء الحسد.. فخلا بزرياب وقال له: يا علي : إن الحسد أقدم الأدواء, والدنيا فتانة والشركة في الصنعة عداوة لا حيلة في حسمها, ولقد مكرت بي فيما انطويت عليه من إجادتك وعلو طبقتك, وقصدت منفعتك فإذا أنا قد أتيت نفسي من مأمنها بإدنائك, وعن قليل تسقط منزلتي وترتقي أنت فوقي, وهذا ما لا أصاحبك عليه.. فتخير في اثنتين لا بد لك منهما: إما أن تذهب عني في الأرض العريضة لا أسمع لك خبراً وإما أن تقيم على كرهي.. فخذ الآن حذرك مني, فلست والله أبقي عليك ولا ادع اغتيالك باذلاً في ذلك بدني ومالي. فخرج زرياب لوقته وعلم قدرته على ما قال, واختار الفرار, فأعانه إسحاق على ذلك, فرحل عنه ومضى يبغي مغرب الشمس, واستراح قلب إسحاق منه «.

«من بغداد الى الأندلس»

لقد خاف زرياب على نفسه من هذا التهديد فخرج الى بلاد الشام فترة من الزمن ثم انتقل بعدها الى شمال إفريقيا حيث قضى فترة زمنية في بلاط الأغالبة في القيروان. هناك غنى للأمير زيادة الله الأول فترة من الزمن. ولقد شاءت الأقدار ان يغضب الأمير على زرياب ويأمره بالمغادرة . يذكر ابن عبد ربه في كتابه (العقد الفريد) ان الأمير قال له : «إن وجدتك في شيء من بلدي بعد ثلاثة أيام جززت عنقك». حينها قرر زرياب التوجه الى الأندلس. حيث كتب الى الأمير الأموي في الأندلس آنذاك وهو الحكم بن هشام يخبره عن مكانته في صناعة الغناء والموسيقى ويبين رغبته الجامحة في الانتقال الى هناك. وبالفعل كتب اليه الخليفة الأموي مرحبا به. توجه زرياب الى الأندلس وعندما وصلها كان الحكم بن هشام قد توفي وتولى الإمارة بدلا عنه ابنه عبدالرحمن بن الحكم, الذي عرف في التاريخ باسم عبدالرحمن الثاني أو الأوسط. وقد رحب الأمير الجديد بزرياب وجعل أحد كبار رجال التشريفات في قصره في استقبال زرياب قبل وصوله إلى العاصمة. لقد رحب أمراء بني أمية بزرياب في الأندلس لينافسوا التقدم الفني في بغداد والذي يقوده إسحاق الموصلي فنان بني العباس.

«أعماله الفنية والثقافية»

يختلف زرياب عن غيره من الفنانين انه لم يكن يمثل نفسه كفرد بل كان فرداً يمثل الفن الإسلامي الشرقي بإبداعاته المختلفة. وهذا يفسر لنا حرص زرياب على العمل المؤسسي والابتعاد عن العمل الفردي. فما ان عين مغنياً للقصر في قرطبة براتب مائتي دينار ذهبي بالإضافة الى العديد من الامتيازات حتى بدأ يؤسس لعمل موسيقي مؤسسي في قرطبة. فكان من بين أعمال زرياب الفنية في الأندلس تأسيسه لأول مدرسة فنية لتعليم الموسيقى والغناء على أسس علمية في العالم. حيث قامت هذه المدرسة في مدينة قرطبة تحت اسم دار المدنيات وضمت العديد من الفانين والمغنين من بينهم أبناء زرياب الثمانية وابنتاه. كان الطالب في هذه المدرسة يتعلم أنواع العزف والغناء والتلحين والشعر والرقص وما يرتبط بها من فنون مساعدة. وقد نجحت هذه المدرسة واستقطبت الكثير من متذوقي الفن والغناء سواء من العرب أو من الغرب الذين اثروا الحياة الفنية في الأندلس خاصة وفي اوروبا بشكل عام. لقد طور زرياب الفن والموسيقى في العديد من الاتجاهات ومن أهمها:

انه أول من أدخل آلة العود الى الأندلس ومنها انتقل إلى بلدان أوروبا. حيث ظل هذا العود هو الآلة الموسيقية الأساسية في الغرب حتى انتشار بعض الآلات الحديثة مثل البيانو, في أوائل القرن الثامن عشر.

زاد (بعد وصوله إلى الأندلس) أوتار العود الأربعة وتراً خامساً. وهذا بدوره دعم كفاءة العود من حيث اللحن والعزف، واخترع زرياب مضرب العود من قوادم (ريش) النسر ليحل محل المضرب الخشبي الذي كان يستخدم سابقاً، واسس مدرسة دار المدنيات لتعليم الموسيقى والغناء وفنون الشعر، حيث كان لهذه المدرسة شروطها للقبول ومنهجها الفني الواضح.

ووضع الأسس الفنية التي بنيت عليها الموشحات الأندلسية.

ولم يقتصر أثر زرياب على الفن والموسيقى بل نجده يلعب دوراً كبيراً في نقل فن الإتكيت (الذوق العام) الذي كانت تتميز به بغداد آنذاك الى الأندلس. كان زرياب كما تصفه لنا المصادر رجلاً أنيقاً في كل أموره من حديث ومظهر وأكل وشرب ...الخ. فمثلا نشر زرياب ثقافة الرقي في تناول الطعام من حيث اتكيت الجلوس الى طاولة الطعام واستخدام المناديل وآداب مضغ الطعام. وقد تأثرت النساء به في مسألة استخدام المناديل ذات الأحجام والألوان المختلفة وكذلك المعطرة منها. كما نقل الى أوروبا تقديم الوجبة في ثلاث مراحل وهي مرحلة الحساء (الشوربة)، ثم الطبق الرئيسي ثم الفواكة والمكسرات. وكان من بين الحلويات على سبيل المثال الحلوى المعروفة اليوم بالزلابية وهي تحريف لنسبة هذه الحلوى إليه (زريابية). كما ادخل زرياب لعبة الشطرنج إلى الأندلس ومنها إلى أوروبا. ووصل أثره الى طرق تسريح الشعر وكذلك الأثاث وتنظيمه. ووصل تأثيره ايضا الى طريقة اللباس والوان الملابس والى المطبخ الأندلسي في جميع جوانبه. كما كان زرياب عالما بالفلك مما اكسبه ايضا مكانة مرموقة.

«بين انصار الفن ومحاربيه «

احتل زرياب مكانة مرموقة عند معاصريه كما عند الكثير من الأجيال اللاحقة سواء الشرقية او الغربية والتي قدرت لهذا الرجل احساسه الفني العميق وعمله الدؤوب على تأسيس عمل موسيقي مؤسسي عمل بموجبه على نقل الإبداعات الإسلامية الشرقية الى الغرب. ومن هنا فإن تأثيره قد تجاوز العالم الإسلامي الشرقي وحتى الأندلس الى بقية الدول الغربية. يقول هنري تيراس عنه: «بعد وصول هذا الزرياب الشرقي هبت رياح السرور والحياة المترفة في قرطبة . كان هناك جو مليء بالشعر والبهجة الأنيقة يحيط بزرياب.» ومن هنا فقد رأى انصار الفن في زرياب أساس ازدهار الحضارة الإسلامية في الأندلس بل وفي أوروبا بشكل عام. أما محاربو الفن فإنهم قد جعلوا من زرياب الشماعة التي علقوا عليها انحدار الحضارة الإسلامية في الأندلس ومن ثم سقوطها. والحقيقة ان زرياب كان بريئاً من مثل هذه التهمة. فالرجل قد كان عاملاً من عوامل النهضة الفنية في الأندلس والغرب. بل ولا نبالغ اذا قلنا انه ساهم في النهضة الاجتماعية والثقافية ايضا. وما التهمة التي أُلصقت به إلا انعكاس لموقف بعض محاربي الفن الذين لايقدرون دوره الايجابي في صناعة الإنسان والحضارة. لقد ادرك خلفاء بني أمية هذا الدور للفن وقدروا زرياب كما عمل الأمير عبدالرحمن بن الحكم الذي خصص له مايلي: مرتباً شهرياً قدره مائتا دينار، ومبلغاً شهرياً قدره عشرون ديناراً لكل ولد من أولاده الأربعة الذين جاءوا معه إلى قرطبة، ومبلغاً سنوياً قدره ثلاثة آلاف دينار توزع له في الأعياد، وثلاثمائة مد من الحبوب, بحيث يكون ثلثها قمحاً وثلثاها شعيراً، وعدداً من الدور والمستغلات في قرطبة وبساتينها وعدداً من الضياع, والتي تُقَوّم وارداتها السنوية بأربعين ألف دينار.

وقد توفي زرياب في قرطبة سنة 243 هـ (857 م).

زرياب اخترع الوتر الخامس للعود
رسم تخيلي لزرياب
أ.د. فهد مطلق العتيبي