القطعيّة في الأشياء والجزم بها بشكل نهائي نزعة تتمكن من بعض الأفراد كطبيعة فطرية لتشددهم لفكرتهم وإيمانهم العميق جدا بها دون غيرها، لذلك نجد أن بعضهم يصدر صك الغفران أو صك التكفير على الآخرين بشكل جازم دون وجه حق ودون تكليف له من رب العالمين لتقرير مصير عباده. وفي مقال اليوم أذكر ثلاثة مواقف اقتصادية حدثت مؤخرا كلها عانت في مرحلة ما من نزعة المتطرفين بآرائهم.

السبعون الذي طالما انتظرناه منذ ديسمبر 2014م وقبل الوصول له تفنن بعض المهتمين في المجال والمحللين في المبالغة بالتحفظ في توقعاته المستقبلية التي انقلبت في نهاية الأمر للسوداوية. فعند هبوط أسعار النفط قبل عدة سنوات أخذ الحماس بعضهم ليطلق مرحلة نهاية عصر النفط بشكل رسمي عالميا، وأن العالم لم يعد بحاجة للنفط، وهذه سوداوية مبالغ فيها وأهل المنطق يعلمون أن مثل ذلك لا يمكن أن يحدث بين عشية وضحاها فالكثير من الصناعات والدول مازالت تعتمد على النفط كمصدر للطاقة لتسيير أعمالها.

الأهم أن السبعين الذي تجاوزه العالم لسعر البرميل الواحد قبل فترة قصيرة قبل أن يرتد منه ويتذبذب حوله لفترة كان يعتبر رقما ضربا من الخيال بل إن بعضهم كان يرى استحالة الوصول لمثل هذا السعر نهائيا، المهم الآن أنه وصل إليه والله وحده يعلم إلى أين سيصل في الفترة القادمة.

البتكوين التي كانت دون الدولار ثم أخذت ترتفع ارتفاعا صاروخيا حتى لامست سقف العشرين ألف دولار وأتذكر حينها كلام بعض المتشددين للفكرة أن العشرين ألف دولار مجرد البداية وأنه سيواصل الارتفاع وها هو الآن في عملية هبوط مظلي يصل لمستوى دون 7000 دولار ولا أحد يعلم إذا ما كانت هذه النهاية لعملية الهبوط أم أنه سيواصل. والموقف الأخير وهو معروف ومشهور ويتكرر لدينا وهو جزم بعض المحللين بوصول سهم لسعر معين، والتأكيد عليه في كل موقف ولحظة دون اعتبار لأي من المؤثرات الخارجية التي من الممكن أن تؤثر على قيمة السهم السوقية.

والحالات الثلاثة السابقة نتيجة طبيعية لعدة تراكمات فإما جهل الإنسان بالأمر أو تعصّبه لفكرته بشكل كبير تعميه عن أي رأي آخر أو لقلة خبرته ويمكن أن يكون البحث عن الشهرة أحدها، المهم أن العارفين بعلم التحليل يتفقون على أن من أهم عناصر دقة التحليل وصدق التوقعات المستقبلية هو غزارة المعلومات ودقتها التي يستند عليها هذا التحليل ومع ذلك يجب أن يعطي نفسه فرصة بفرض نسبة الخطأ بالحساب ويعطي مساحة كافية للعوامل الأخرى التي من الممكن أن تغير كامل المشهد.