لنتّفق على أنّ نهضة أي أُمّة ترتكز على إمعان النظر في تراثها وإحيائه وكذلك الإفادة من منابع فكر هذا التراث والموروث واستصفاء ما يتناسب منه مع النهضة الحضارية التي تعيشها تلك الأمّة إذ لا يتّسق أن يكون هذا التراث عائقاً لتقدّمها ومسيرتها التطوّرية التي تفرضها الحتمية التاريخية.

من هنا فإنّ الصورة الحضارية اللافتة التي جسّدها المهرجان الوطني للتراث والثقافة على مدى أعوامه المتعاقبة ترسّخ الوعي الجميل الذي تضطلع به قيادتنا الراشدة، وهو وعي ينطلق من قناعة بأهمية التراث بما يتضمّنه من قيم ومنجزات إنسانية في التواصل مع الحاضر، فلا مستقبل ينهض دون التزوّد بمنجزات الماضي.

اليوم يحظى هذا العرس الثقافي البهيج برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - أيده الله - وهو الرجل المثقف المعني بالثقافة والتاريخ، وسادنها الذي يوليها جلّ اهتمامه ورعايته وتوجيهه؛ وما تكريمه - رعاه الله - اليوم لرموز ثقافية خدمت الوطن بفكرها وحضورها الثقافي العميق إلا ترجمة لهذا الاهتمام والحفاوة؛ ولا غرو في ذلك فهي قناعة من ملك مثقف وسليل ثقافة تاريخية عميقة أدركها المتابع للمشهد الثقافي في أدواره المتعددة والتي لا تني تؤكد أن التراث من وجهة نظره - أيده الله - عُمق حضاري وإنساني يجب الاحتفاء به فهو حصيلة معارفنا وعلومنا وعادات مجتمعنا وفنونه وآدابه وكذلك منجزاته سواء المادية أو المعنوية التي تراكمت عبر التاريخ. لا شك بأن التراث مُنجز ثمين أبدعه الجهد الإنساني الأصيل عبر تعاقب زمني كانت حصيلته هذا الموروث العميق بما شكّله من مظاهر، إن كان على المستوى المادي أو النفسي أو حتى نمط يتجلّى في السلوك والعلاقات وطرائق التعامل والنظر إلى الأشياء.

إنّ مهرجان الجنادرية وهو يتكرّر كل عام يمثّل رسالة صادقة أن الأصالة والعمق تنبعان من التمسّك بهذا الموروث وقيمه النبيلة المبثوثة في تضاعيفه، فهو يشكّل ملاذاً آمناً نعتصم به بعد الله في ترسيخ قيمنا وهويتنا الأصيلة وسط هذا الطوفان من الأفكار الدخيلة والحروب الفكرية التي تحاول التسلل إلى الأمم وحضاراتها لتسلخها عن هويتها في وقت أن الأمة الإسلامية بحاجة إلى الإفاقة والانبعاث من حالة التردي فضلاً عن واجبها الديني والحضاري والإنساني في ترسيخ قيمها ومنجزاتها وصونها من الضياع.