في مقال بعنوان «التفكير خارج الصندوق» أشرت إلى أن المقصود بــ«الصندوق» هو خبراتنا ومشاعرنا وآراؤنا وتصوراتنا المسبقة.. وكي نحكم على الأشياء بطريقة نزيهة (ونفكر فيها بطريقة مختلفة) يجب أن نخرج من صندوقنا الشخصي وننظر إليه بين الحين والآخر (من بعيد)..

قلت: إن من يبني منزله كزجاجة عطر أو سفينة شراعية يفكر خارج الصندوق.. ومن يبتكر تطبيقاً يقدم خدمة التوصيل للجميع (مثل أوبر) يفكر خارج الصندوق.. ومن يلغي كافة الأزرار في الهاتف (كما فعلت أبل حين ابتكرت الآيفون) يفكر خارج الصندوق.. ومن ينقل السفن الحربية بـراً (كما فعل محمد الفاتح) يفكر خارج الصندوق.. ومن يأمر جنوده بقذف أعين الفيلة (كما فعل ابن أبي وقاص في معركة القادسية) يفكر خارج الصندوق..

والحقيقة هي أن «التفكير خارج الصندوق» أسلوب واحد فقط مما أصبح يعرف بأساليب التفكير الإبداعية أو الابتكارية التي شاعت بفضل عالم النفس المالطي البريطاني إدوارد دي بونو..

تعرفت على هذا الرجل من خلال كتبه التي قرأتها في سن مبكرة وأهمها: (التفكير الجانبي، والتفكير بطريقة القبعات الست التي تحدثت عنها بإسهاب في كتاب نظرية الفستق).. له أكثر من خمسين كتاباً في طرق التفكير الإبداعية أملك منها: أطلس التفكير الإبداعي، منهاج برونو، ملك أستراليا، تفكير الألفية الثالثة، والتفكير الجانبي..

وأعتقد شخصياً أن الكتاب الأخير (التفكير الجانبي) يستمد أهميته، ليس فقط من محتوياته بل في أنه أول من لفت الانتباه إلى ضرورة التفكير بطريقة (غير عامودية).. وقد دعاه بونو التفكير الجانبي - وإن كنت أفضل المتشعب - ليميزه عن التفكير العمودي الشائع بين الناس بشكل عفوي. فنحن غالباً ما نفكر منطلقين من الخطوة رقم1 باتجاه الخطوة رقم 2 ثم 3 ثم 4 (بالترتيب) في حين أن بونو يدعونا إلى التفكير بطريقة جانبية تتفرع باستمرار ولا تسير في خط مستقيم..

حين تفكر بطريقة رأسية تكون كمن يحفر بئراً ويتعمق فيه متجاوزاً خزانات المياه الجوفية.. غير أن الخروج جانبياً - عن نطاق البئر الضيق - يوسع إمكانية عثورك على الماء بمعدل يتضاعف بقدر التفرع ذاته (كما يمكننا تشبيه التفكير الرأسي بناطحة السحاب التي تترتب فيها الأدوار السكنية بطريقة عامودية، في حين تتفرع الشجرة من غصن لغصن في اتجاهات مختلفة وغير نهائية)..

من عيوب التفكير الرأسي الذي نمارسه منذ الأزل وصوله فقط إلى حل واحد، وسيره في اتجاه مشترك، وفساد التسلسل بأكمله حين نخطئ في أي خطوة سابقة.. وفي المقابل هناك التفكير الجانبي أو المتفرع الذي يتلافى كل هذه العيوب، ويقدم خيارات جانبية وحلولاً فرعية حرة ومرنة ولا نهائية - ناهيك عن فرص التنقل بين كافة الاحتمالات..

ما يهمني في هذا المقال ليس معرفتك بأعمال الدكتور بـونـو فقط، بل معرفتك بوجود طرق مختلفة في كيفية التفكير ذاته..

أتمنى فعلاً أن تتحول طرق التفكير الإبداعي إلى (منهج دراسي) يتعلمه طلابنا بدءاً من المرحلة الابتدائية.