عندما هوت القنبلة النووية على مدينة هيروشيما، حبس العالم أنفاسه ترقباً لأبشع جريمة في التاريخ المعاصر، ارتكبها الإنسان ضد الإنسان، كانت القنبلة الذرية، تهوي بسرعة الجاذبية، حتى انفجرت، فتحولت هيروشيما إلى حطام وأشلاء متناثرة، عندها ساد الاعتقاد أن اليابان اختفت من هول الضربة، لكن وبعد فترة وجيزة شاهد العالم شيئاً ما يتململ تحت الركام، أشبه بالحركة، إنها الروح اليابانية الحالمة التي خرجت من بين الأنقاض، في أكبر إعجاز أسطوري ملحمي في تحدي الهزيمة، حيث وقف الإنسان الياباني على أنقاض المدينة المهدَّمة، متحدياً حالة الانكسار، مدفوعاً بروح الأم اليابانية العاملة، والأب الياباني الكادح، الذي قاوم الهزيمة بلا هوادة، وقف بعناد وإرادة قوية، حتى تحولت الهزيمة إلى نصر والدموع إلى فرح، وأصبح اليابان من أكبر الدول المتقدمة في العالم، كل هذا عندما اعتمد اليابان على الإنسان في إحداث التغيير، وتعديل دفة التاريخ الذي كاد أن يضع اليابان في غياهب الجهل والتخلف لعشرات السنين، لولا الإنسان الياباني الذي تحمّل وزر التركة، لأن الإنسان كائن متطور، يغرس الشجر، ويحرث الأرض، ويصنع السلام، إذا ما تربى على معايير وقيم إنسانية رفيعة، أساسها الحب والتسامح والفرح، وهو أيضاً من يسفك الدماء، ويشعل الحروب، ويصنع الفوضى، إذا ما شُرِّب ثقافات فاسدة كالجهل، والكراهية، والعنصرية. فالمجتمعات المتطورة تضع الإنسان في قائمة أولوياتها، والشواهد التاريخية واضحة، فهناك شعوب ثرواتها الطبيعية صفر، ومع ذلك تقدمت وتطورت، حتى أصبحت في مصاف الشعوب المتحضرة، كل هذا بسبب اعتمادها على الإنسان، هكذا هي الشعوب عندما تستثمر الإنسان استثماراً حياً، لأنه الجدوى الحقيقية الذي تسقط أمامه أي جدوى اقتصادية أخرى، تعالوا نضع المهندس الوطني في جدوى وطنية، إذا جاز التعبير شبيهة بالجدوى الاقتصادية، وننفق الكثير على تعليمه، عندها سوف يعفينا هذا المهندس من عشرات الأخطاء الهندسية، ويوفر لنا أموالاً طائلة، وكذلك رجل المرور، الذي سوف يحد من الخسائر في الأرواح، والملايين المهدرة، وكذلك الطبيب، والمعلم، والعامل، والمهني، والحرفي. تعالوا نعود للإنسان بعد كل هذه الغربة، تعالوا ننفق على طالب الأول الابتدائي بلا حساب، ونحقنه بجرعات هائلة من المعرفة المتطورة، لينقلنا إلى آفاق المستقبل الواعد، حيث التقدم والتطور، لأن الأموال تذهب، والبترول ينضب، بينما الإنسان الواعي ثروة لا تنضب.

  • وقفة..

تحية إلى صفحات الحياة التي ارتوت بعرق الكادحين والحالمين، إلى حطام السنين التي خرج من عنادها العصاميون، إلى أبواب البيوت التي ظلت مشرعة حتى ساعات الفجر ترقباً لعودة الغائبين، إلى كل الأرواح الإنسانية التي بنت وعمرت هذا العالم من أقصاه إلى أقصاه.