يتم في الآونة الأخيرة تداول رسالة ممجوجة على مواقع التواصل، والتي تريد تزوير ذاكرة الثقافة المحلية وتغيير مراحلها وأهدافها وتمييع الأمور، وكأن شيئاً من الشدة والغلاظة والهيمنة على العقول لم يتم وكأن الإقصائية الفكرية وتسخير العقول بواسطة الدين لم تهيمن، وهذا حقيقة ما دعاني لكتابة هذا المقال التوضيحي، والذي أقصد من ورائه أن يعرف الجيل الحالي حقيقة ما حدث بين تيارين، كانا يتصارعان، وكان أحدهما لا يلتزم بالنزاهة الفكرية، ولا يرتضي أن يكون له شريك، ولذلك فقد عمل على تشويه رموز ثقافة الوطن.

الرسالة المذكورة تحكي عما حصل بين فقيد الثقافة المرحوم غازي القصيبي، وبين عدد من رموز حركة الصحوة، والتي عشناها وقرأناها وحفظناها في حينها، وكنا نتعجب لرمز التنوير غازي، وهو ثابت شامخ رغم ما أطلقت عليه تلك الألسن والأقلام الرصاصية ناراً من سعير، وكان يرد الصاع صاعين، بالفكر والعلم والمعرفة والثقة، ولو أن بعض كتبه ومقالاته لم نكن مطلعين عليها ولم تصلنا، ولكن كنا نستشفها من على البعد.

بينما كانت كتب رموز الصحوة منتشرة طاغية، ويتم الترويج لها بكل الوسائل، وكانت حروبهم ضده قاسية، متشددة، سليطة في نقمتها، مبدعة في تحييد الصوت الآخر، وكم كان لها حينه من ألف ألف داعم ومطبل.

والرسالة تقول: إن غازي كفريق وهؤلاء فريق كانا في نقاش طبيعي، وأنهما اختلفا اختلافاً فكرياً في البداية، ثم في النهاية تصالحا، وندما على ما شجر بينهما!

هذه الرسالة تحاول تقزيم رمز الثقافة السعودية المرحوم غازي القصيبي، فهو المفكر العصري الصامد البطل، والذي ظل ثابتاً على مبادئه طوال حياته، ولم يتغير، ولم يصالح، بمعنى التنازل عن آرائه، ومجرد محاولة الكلام عن صلح فكري، يقلل من قيمة معركة الرمز غازي القصيبي، ويجعله مثل من كانوا ضده يميلون مع الزمن، ويتبدلون حسب التطورات.

في مقالي هذا لا أريد شحن الذاكرة الفكرية بفظائع ما حدث حينها، ولكني أخشى من التدليس على عقول من لم يحضروا تلك الحروب الشعواء، ممن يريدون تمييع قدر الرمز الثقافي العظيم، وجعله مشابهاً لكل من استفادوا من كل مرحلة، وتقلبوا وتغيروا.

التاريخ يجب أن يستمر هنا بجلاء ووضوح، والصلح الاجتماعي لا يعني التنازل عن المبادئ، التي زرعها الرمز غازي القصيبي في مشاعر ونهج جميع المفكرين السعوديين التنويريين، وممن كانوا يرون غازي الرمز الأمثل لهم.

لقد رحل رحمه الله، ولا يجب بعد وفاته أن ندعي بأنه قد ندم وتغير وصالح من ناصبوه العداء، حيث يلخص الرمز حكاية أعدائه على سرير الموت:

خمسٌ وستُونَ.. في أجفان إعصارِ

أما سئمتَ ارتحالاً أيّها الساري؟

أما تَعِبتَ من الأعداءِ.. مَا برحوا

يحاورونكَ بالكبريتِ والنارِ